Skip to content Skip to footer

خازمة: حكاية موقع ريفي بازلتي يكشف عمارة وتاريخ الجنوب الشرقي للسويداء

image_print

وضاح الحجلي
مقدمة:


تُعد المنطقة الجنوبية ” السويداء” من المناطق الغنية بالعمارة البازلتية التي يعود استخدامها إلى العصور الرومانية والبيزنطية، وحافظت على وجودها وصمودها عبر الزمن من خلال قوة وصلابة حجارتها.  في هذا السياق، يبرز موقع خازمة كأحد المواقع التي تستحق الدراسة، ليس بوصفه مركزاً حضرياً، بل كنموذج للاستيطان الريفي متعدد المراحل.
تتناول هذه الدراسة موقع خازمة الواقع في أقصى جنوب شرق السويداء، وتضعه في سياق المنطقة الجنوبية البازلتية لبلاد الشام. وتهدف الدراسة إلى وصف القرية وعمارتها. حيث أظهرت النتائج الأولية التي قامت بها بعثة جامعة برينستون أنّ خازمة تمثل نموذجاً لاستيطان ريفي بازلتي قائم على إعادة استخدام العناصر المعمارية.

  1. الإطار الجغرافي والتاريخي: 


ترتكز خازمة على ضفاف وادي، ممرّ مائيّ موسمي يُشكل الشق الطبيعي الرئيسي بين هضاب البازلت الجنوبية والسهول الشرقية. هذا الموقع الاستراتيجي يربطها بشبكة من المواقع الأثرية الرئيسية، مُبرزاً دورها كنقطة وصل.  في شمال خازمه توجد بلدة ملح على بعد 5 كم وهي من القرى الهامة في المنطقة وتعرف باسم ملح الصرار وهي مركز اداري قديم تتبعه الخرب المنتشرة حولها. ترك فيها الانباط كتابة منقوشة في ساكف وأخرى في تمثال وفي العصر الغساني نقش الصليب وغيره في سواكف الأبواب وفيها البرج وهو الأهم وكذلك البرك المائي. يظهر أيضاً في قرية ملح بقايا أثار رومانية-بيزنطية تتشابه معمارياً بخازمة من خلال وجود كنائس بسيطة وأرصفة مشابهة. 

في الجنوب الغربي من خازمة تقع امتان، موقع نبطي-روماني-بيزنطي على مسافة 7 كم، تشترك في نقوش نبطية مشابهة وتخطيط شبكي لشوارع القرية. ومن الشرق يحد قرية خازمة البادية، تقع على تخوم خازمة مباشرة، مما يجعلها حلقة وصل استراتيجية بين الجبل والسهول الرعوية.

عاصرت خازمة عدة عصور ومراحل حيث تشهد آثار القرية على الفترات التالية:

الفترة الكلاسيكية (القرن 2-4 م): مدينة رومانية قائمة على شوارع شبكية وأبواب حلس حضرية وبيوت واسعة قد تكون مناسبة للقاءات والاجتماعات او حتى نشاط تجاري!

 الفترة البيزنطية (القرن 5-7 م): من خلال وجود الكنيسة المزدوجة والأقواس الداخلية. 

الفترة الإسلامية الأولى (القرن 7-13 م): اعادة استخدام دفاعي أبواب الحلس بدرفات ثقيلة بعد السيطرة الإسلامية عليها. 

التراثية الحديثة (القرن العشرين): ترميم محلي حيث أعاد سكان المنطقة البناء باستخدام الانقاض الرومانية والبيزنطية.

  1. الوصف المعماري: 


العمارة السكنية:
كانت بلدة من الطبقة الراقية، إذا ما قُيِّم حجم منازلها وأساليب بنائها. شوارعها واضحة المعالم، مستقيمة نسبياً، بأرصفة مرتفعة. توجد منازل عديدة تتألف من طابق مقوس واحد وطابقين مدعمين، وعدد أقل منها تتكون من طابقين للغرف المقوسة وثلاثة أو أربعة للغرف المدعمة، كما هو الحال في منازل قرية مجدل. يظهر جزء من أنقاض منزل مكون من ثلاثة طوابق، باتجاه الجدار الأمامي من الداخل، نافذة كبيرة، ومدخلًا في الطابق العلوي. يحتوي المدخل على فتحة صغيرة معتادة فوق العتبة، على شكل نقش بارز على حجر العتبة. الطابق السفلي مليء بحطام الأرضيات والأسقف الحجرية المتساقطة. تتميز المنازل بعتبات مزخرفة فوق مداخلها المطلة على الأفنية، من جانب واحد أو كلا الجانبين. بعضها مزين بتيجان أعمدة منحوتة أسفل أقواسها الداخلية وهذا النمط شائع في مدن مثل بصرى وشَهْبَا.


تكثر في البلدة أبواب حجرية كبيرة الحجم، متقنة الصنع، تُغلق، بضلفة أو ضلفتين، مداخلها على الشوارع، وتعتبر هذه الأبواب الضخمة من أبرز معالم خازمة وهي 17 باباً بازلتياً ضخماً موزعة داخل النسيج السكني، تغلق مداخل الازقة بدرفتين ثقيلتين (طول 2.5-3 م، وزن 1-2 طن)، ممّا يطرح تساؤلات حول وظيفتها. وهل تحولت من وظيفة حضرية رومانية الى وظيفة عسكرية مشابهة لأبواب القلاع الأموية في البادية الشرقية؟

العمارة الدينية:

الكنيسة المزدوجة، بنموذج بازيليكي بسيط (طول 20 م، جدران مجصّصة): تقع هذه الكنيسة في وسط البلدة، عند زاوية أحد الشوارع، صغيرة الحجم نسبياً.  الكنيسة الجنوبية، ذات التصميم المتناظر، بسيطة للغاية، خالية من الزخارف من الخارج والداخل، لكنها متينة البناء، بجدران سميكة من البازلت ذي الشكل المربع تقريبًا، وهو مسامي اللون وبني. تكتمل الكنيسة باستثناء ألواح سقفها. صحنها شبه مربع ، بقوس عرضي واحد. أما قدس الأقداس فمستطيل الشكل، وله حجرة مستطيلة ضيقة من طابقين على كل جانب. الكنيسة المجاورة، التي حُفظت كاملةً، وهي مظلمة تمامًا لأن نوافذها سُدت بالحجارة والطين، لها أيضًا صحن مربع، أصغر قليلًا من الآخر، ويعلوه قوس واحد؛ لكن قدس الأقداس المستطيل يقع في أحد الجانبين، ولا توجد سوى حجرة جانبية واحدة، تلك الموجودة في الشمال، وهي أوسع بكثير من حجرات الكنيسة الأخرى. الكنيستان متصلتان بمدخل. النوافذ صغيرة ومثبتة في أعلى الجدار. كلا التصميمين الداخليين بسيط للغاية، ويكاد يخلو من الزخارف ؛ ولكن هناك دلائل على أن الجدران الخشنة كانت مغطاة بالجص.

الشوارع والباحات: 

تَحتفظ خازمة بـشبكة شوارع مستقيمة نسبيّاً (عرض 3-4 م) مع أرصفَة حجريّة مرتفعة، و28 بيتاً سكنيّاً كبيراً 150-250 م².

عتبات المدخل المزخرفة بكرانيش نباتية (رومانية كلاسيكية): عتبات حجرية بارزة فوق باب الدخول الرئيسي، مزخرفة بكرانيش (cornices) نباتية متدفقة مثل أوراق الاكانثوس (Acanthus leaves)، محفورة بعمق 5-10 سم. هذا النمط روماني (كما في بصرى).

باحات مواجهة محاطة بأقواس داخلية (بيزنطية)

باحات مركزية مفتوحة تقابل الباب الرئيسي (atrium-style) وهي عبارة عن فسحة سماوية في الكنيسة محاطة بأقواس داخلية مستديرة تدعم غرف سكنية. الاضافة البيزنطية تتمثل في الاقواس المتداخلة لتوزيع الاضاءة والهواء، مكيَّفَةْ للمناخ الحار الجاف.

  1. الخاتمة والمناقشة: 


بالمقارنة مع ملح نجد أنّ الارصفة مشابهة، لكن خازمة أكثر اتصالاً. ارصفة ملح مرفوعة بحجارة بازلتية (عرض 1 م)، لكن خازمة تتميز باتصالها المستمر مع الازقة الحالية (غير متقطعة كملح).

أما الكنائس بسيطة فردية مشابهة في الجص الاصفر، لكن خازمة تمتلك كنيسة بيزنطية مزدوجة. حيث أشارت وثائق بتلر الى هيكل مزدوج غريب الشكل، جدرانه مغطاة بجص أحمر/أصفر، يوحي بفنون جدارية بيزنطية متقدمة مشابهة لتلك في جرش الشمالية، لكن على نطاق ريفي صغير (مساحة 300-400 م²). هذا يميز خازمة عن كنائس ملح الفردية (طول 15 م فقط).

خازمة-الصافية: أبواب الحلس مشابهة في الشكل البازلتي والحجم، إلى أن أبنيتها تعتمد على الحجارة البازلتية، وأنها تضمّ أبواب حَلْس وحصوناً تُظهر استمراراً في السكن منذ العصور القديمة، وإن تراجعت بعض المستوطنات في الفترات اللاحقة.

امتان: يظهر تأثير نبطي واضح في العناصر الزخرفية الكرانيش النباتية (امواج متدفقة)، لكن خازمة تضيف اقواس رومانية، كنموذج لقرية بازلتية متعددة المراحل تعتمد بشكل كبير على إعادة استخدام العناصر المعمارية.

بصرى: أبواب الحلس، تطور مباشر من أبواب بصرى الرومانية، لكنها مكيَّفَةْ للبادية الشرقية بدرفات ثقيلة (1-2 طن) للدفاع القبلي ضد الغارات.

تبرز قرية خازمة في جنوب بلاد الشام كمثال على تداخل العمارة الرومانيّة (شوارع شبكيّة، حلس حضريّة)، البيزنطيّة (كنيسة مزدوجة، أقواس داخليّة)، والإسلاميّة المبكّرة (إعادة توظيف دفاعيّ)، مدعومة ببنية بازلتيّة مقاومة للزلازل.

تمثل خازمة مثالاً مهماً على العمارة الريفية في السويداء، حيث تعكس التكيف مع البيئة البازلتية وإعادة استخدام معماري عبر العصور وكذلك استمرارية للاستيطان مع وجود انقطاع للاستيطان بشكل جزئي أحياناً نتيجة الجفاف وأحياناً أخرى نتيجة الحروب.

  توصي هذه الدراسة بإجراء مسح أثري ميداني، وتنقيب اثري، تحليل طبقي وتوثيق معماري دقيق لما فيها من آثار تشهد على الحضارة والاستيطان الريفي.

  • المصادر:

الطبري، محمد بن جرير. تاريخ الرسل والملوك (التاريخ الكبير)، الجزء التاسع. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة: دار المعارف، 1879

البلاذري، أحمد بن يحيى. فتوح البلدان. تحقيق صلاح الدين المنجد. بيروت: دار الكتب العلمية، 1866

  • Butler, Howard Crosby. Publications of the Princeton University Archaeological Expeditions to Syria in 1904-1905 and 1909, Division II: Architecture and Itinerary, Section A: Southern Syria (Part 2). Leyden: Brill, 1914
  • Ambraseys, Nicholas. Earthquakes in the Eastern Mediterranean and the Middle East: A Multidisciplinary Study of 2000 Years of Seismicity. Cambridge University Press, 2009
  • Peeters, Paul. Bibliotheca Hagiographica Orientalis. Brussels: Société des Bollandistes, 1930.


للاقتباس

الحجلي، وضاح. (2026). خازمة: خازمة: حكاية موقع ريفي بازلتي يكشف عمارة وتاريخ الجنوب الشرقي للسويداء. مجلة السويداء الفكرية الرقمية، 1(4). https://doi.org/10.5281/zenodo.19422816


Show CommentsClose Comments

Leave a comment