سامي داوود
تمهيد:
تُحدث الإبادة الجماعية لدى الناجين منها وعيًا بضرورة إعادة تنظيم أنفسهم وفقا لتصور هوياتي مختلف جذريًا. فحينما يكون سبب تمايز جماعة ما هو ذاته سبب استهدافها، يتحول العنف الذي تتعرض له إلى آلية لإعادة تعريف الجماعة لذاتها وللكيفية التي تُرى بها في عيون أعدائها. عندئذٍ، تتصدع علاقتها مع المجتمع الذي كانت تتصور نفسها جزءًا منه وتعرضت للإبادة من قبله، وتنسج لهويتها رابطتها الخاصة، متصورةً ذاتها جزءًا من كل فرد ينتمي إلى الفئة المستهدفة بوصفها فئة مختلفة، لا بفعل تجانسها الداخلي، بل بفعل تهديد وجودي مشترك. وتنحسر علاقتها مع المجتمع المحيط إلى درجة القطيعة، ليس بوصفه كيانًا عدوانيًا في جوهره، بل لتحوله إلى فضاء انهارت داخله افتراضات الأمان والانتماء، وتحول في وعي الجماعة المُستهدفة إلى عالم ثقافي موازي يستحيل التوافق معه في لحظة ما بعد الصدمة.
في هذا السياق، يغدو المحتوى الثقافي لأي جماعة هو الحدود الفعلية لوجودها، بينما تتقلص الجغرافيا إلى خطوط شاسعة لترسيم الخصومة، ووفق هذه الحدود المعاد تشكيلها تتبلور ديناميكيات التفاعل والإقصاء مع بقية الجماعات. ولا يُقصد بهذه العملية افتراض مسار حتمي أو نموذج واحد لإعادة تشكل الهوية بعد العنف الإبادي، ولا التعامل مع الجماعة المستهدفة كوحدة مغلقة متجانسة، بل فهم إعادة ترسيم الحدود الثقافية باعتبارها عملية تاريخية-إدراكية تتبلور استجابةً لعنف سعى إلى الإلغاء التام، دون أن تلغي معها التباينات الداخلية لهذه الجماعة أو إمكانات التفاعل المشروط مع المحيط. كما لا تنطوي هذه القراءة على تبرير معياري لنتائج العودة إلى الهوية الخاصة، بقدر ما تسعى إلى تفكيك شروط تشكّله بوصفه استجابة تلقائية لصدمة وجودية، تعيد معها تشكيل النظرة المتبادلة بين الضحايا وبين الغزاة.
تفترض هذه المقالة أن محاولة الإبادة التي تعرض لها الدروز في سوريا، تموز 2025، وما رافقها من سياسات إذلال ممنهجة بحق رموزهم الثقافية بوصفهم جماعة إثنو–روحية Ethno-spiritual group، وتدمير الحوامل الرمزية لهويتهم، قد شكّلت صدمة جمعية أعادت تنظيم وعيهم بالذات وبالآخر، ودفعت إلى إعادة تعريف الانتماء ضمن نسيج اجتماعي يؤسس لوحدة ثقافية إدراكية تفصل بينهم وبين من لا يرى فيهم سوى موضوعًا محتملًا للقتل. وانطلاقًا من ذلك، تتناول هذه الدراسة مجزرة السويداء في ضوء مفهومين قابلين للتفاعل: مفهوم الحدود الثقافية للجماعة الإثنية لدى فريدريك بارث بوصفه أداة لتحليل آليات ما بعد العنف، ومفهوم التصور والإبادة لدى عمر بارتوف بوصفه إطارًا لفهم المنطق الإبادي ـ الخطاب، وسعي إلى نفي الوجود الجماعي ذاته.
ـ سياسات الإذلال
يرتكز العنف الداخلي في سوريا، في أحد أبعاده البنيوية، على الجناية السياسية التي ارتكبتها القوى الاستعمارية عقب الحرب العالمية الأولى، حين فُرضت حدود سياسية قسرية على جماعات أهلية متباينة، جرى تفكيك أنساقها الثقافية والتاريخية، بما جعل تشكّل أمة سياسية متماسكة أمرًا متعذرًا منذ لحظته التأسيسية. ولم تندثر هذه التركة، بل أُعيد إنتاجها لاحقًا على أيدي فاعلين جدد، عبر سياسات أعادت تحطيم الحدود الاجتماعية والثقافية للجماعات الأصلية، وأبقت الجغرافيا السياسية إطارًا صراعيًا هشًا بدل أن تكون مجالا للتثاقف والتكاتف.
وقد تفاعلت هذه البنية مع السياسات الإقصائية التي هيكلها حزب البعث داخل المجتمع السوري، لا بوصفه مجرد نظام سلطوي، بل كفاعل أعاد تنظيم الاجتماع السياسي على أسس إدارية مصطنعة، قسّمت المجتمع إلى وحدات مدينية ومحلية متعارضة عرقيًا ومذهبيًا. وتعمّق هذا التفكيك عبر حوامل عشائرية ومذهبية، استُخدمت لتعبئة خطاب ديني–سياسي متناقض، هدفه تثبيت هيمنة فئة عقائدية على السلطة، وإقصاء كل من لم يخضع لمنظومة الولاء التي نسجتها النخبة العسكرية البعثية، بالتكامل مع شبكات من تجار وأعيان المدن والأرياف، خصوصًا في دمشق وحلب. وفي هذا السياق، لم يكن الإقصاء نتاج اختلاف ثقافي بحد ذاته، بل نتيجة رفض الخنوع للفئة التي سلبت السلطة، ورفض التخلي عن الخصوصية الثقافية لصالح اندماج قسري في منظومة سلطوية شبكت بداخلها العنف الديني والسياسي لخلق “دولة متوحشة” بتعبير ميشيل سورا.
ضمن هذا المسار، تعرّض الدروز لإقصاء سياسي وتبخيس اجتماعي مُمنهج، استُخدمت فيه ذرائع دينية ذات طابع مخادع. فقد سلكت هذه الجماعة منذ القرن الحادي عشر مسارًا دينيًا خاصًا، يقوم على باطنية الإيمان (Esoteric belief)، حيث يُفهم الإيمان كتأويل عقلاني لوحدانية الله وللسبيل إليه، وكممارسة أخلاقية متعيّنة في حفظ العهود والالتزام بالعلاقة الإنسانية، لا كمجرد انتماء عقدي معلن، فالعقل: ” هو المحور الأساسي في صلب مذهب التوحيد” (1). ومن هنا، تجلّى سبيلهم الروحي في الانتماء إلى الفكرة الروحية دون التحول إلى مذهبٍ دعوي، وهو ما جعل خصوصيتهم الثقافية عرضة لسوء الفهم والتأويل العدائي.
غير أن هذه الخصوصية وُضعت الدروز، شأنهم شأن العلويين والإيزيديين، في موضع الاستهداف من قبل التيارات السلفية السنية، التي صنّفت الدروز ضمن “الفرق الضالة”، محوّلة إياهم إلى عدو غير مرئي في المخيال السلفي. ويعود أحد الجذور المبكرة لهذا التصنيف إلى عبد القاهر البغدادي (980–1037) تلميذ أبو الحسن الأشعري والمختلف فكريا معه، في كتابه الفَرقُ بين الفِرَقِ، حيث كفّر جميع الفرق التي آمنت بالتناسخ وبباطنية المعتقد (2).
موفّرًا بذلك الأساس الفقهي الذي ستتغذى عليه لاحقًا فتوى ابن تيمية في القرن الثالث عشر، والتي حرّمت التعامل مع الدروز أو التزاوج معهم (3)، ولم تكن هذه الفتاوى مجرد أحكام دينية، بل تحولت إلى سرديات تخييلية صوّرت الدروز كشعب منكفئ على عقيدة “مضادة”، لا تتوافق مع مصالح القبائل والجماعات التي احتكرت سلطة التأويل الفقهي، وقيدته بمنافعها الخاصة، فحوّل التفسير إلى أداة هيمنة، والمخالفين له إلى أعداء.
تراكمت هذه الخطابات الإقصائية عبر القرون، لتجد امتدادها في بدايات القرن العشرين، حين تناول محمد كرد علي ـ وزير المعارف في الحكومات السورية المتعاقبة ـ الدروز بازدراء في مجلته المقتبس (4)، حينما لم تكن سوريا سوى ولايات عثمانية يتوسطها الجهل وبالجهل وحده تشكلت المتخيلات المتعارضة لشعوبها المتنوعة. ولم تكن توصيفاته سوى استدراك حديث لمحتوى فتاوى أقدم، وامتدادا لسرديات الصراع على النفوذ بين الشعوب التي توزعت في جنوب سوريا، على أراضٍ لم يملكها سوى الذين رسموا تخوم أراضيهم بالدم. متكأين على تحالفات غير متكافئة مع السياسات الاستعمارية التي جلبتها القوى الإمبراطورية المتداعية إثر الحربين العالميتين.
وتواصل هذا النمط من التبخيس في الكتابات الأكاديمية ذاتها، حين عمد حنا بطاطو، في كتابة (فلاحو سوريا 1999) الذي يتطابق عنوانه مع عنوان كتاب الاثنوجرافي الفرنسي جاك ويلرس (فلاحو سوريا والشرق الأدنى، غاليمار1946). إلى نزع الصفة الوطنية عن الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، مختزلًا إياها في فعل زعامة قبلية. وقد استند في ذلك إلى مخطوط مجهول المصدر ورد في نص لكاهن مسيحي مناوئ للدروز، متجاهلًا السياقات الخلافية الدرزية–المارونية (5) ، فخلط بين الأسباب الاقتصادية للفلاحين ملاّك الأراضي وبين مزاعم تدهور زعامة آل الأطرش، ومرة أخرى استنادًا إلى وثيقة بريطانية مبتورة (6). ومبسترا بذلك دور سلطان الأطرش في الثورة السورية إلى مجرد هبة زعيم قبلي استغل طائفته لأجل مصالحه، وكل ذلك بناءً على عبارة ينقلها عن الشهبندر بحق الأطرش، يدعي فيها بأن السلطان أخبر الشهبندر بأنه يقوم بالثورة إنقاذا لشرف طائفته وحسب (7). علما أن البيان الأول للثورة الذي قرأه السلطان كان قد صاغه بالتنسيق مع عبد الرحمن الشهبندر بعد اجتماعهما في قرية “كفر اللحى” (8).
رغم أن حنّا بطاطو لم يكن مختصًا بتاريخ الذهنيات، إلا أنه لم يتردّد في افتراض تشكّل أنماط ذهنية ثابتة لدى جماعات اجتماعية بعينها، مستخدمًا هذه الافتراضات بوصفها معيارًا تصنيفيًا بين الفئات الفلاحية. غير آبه بكمية الأخطاء المعرفية التي حملتها كلماته. وقد قاده هذا المنهج إلى استخلاص نتائج اختزالية، من بينها الربط بين ما سمّاه بـ «الفلاح الجبلي» وبين الميل إلى العنف والعاطفية، مقابل إضفاء طابع «العقلانية» على فلاحي السهول والبساتين، مقدّمًا الدروز بوصفهم المثال الأبرز على النمط الأول. ولا يقتصر الإشكال هنا على ضعف الأساس المعرفي لهذه الفرضيات، بل يتعدّاه إلى ما تنطوي عليه من تعميمات ثقافوية تُسقِط تصنيفات ذهنية جاهزة على جماعات تاريخية معقّدة (9).
ويزداد هذا الخلل المنهجي وضوحًا حين يعزّزه بطاطو باقتباس اعتباطي لنصّ لا يمتّ بصلة إلى تاريخ الذهنيات، بل هو نص ذو حمولة عدائية صريحة ضد الدروز، استقطعه من كتاب غيرترود بيل Syria, the Desert and the Sown (لندن، 1919). فهذا النص، الذي كُتب في سياق استعماري بحت، لا يعكس سوى انطباعات سطحية لضابطة مخابرات بريطانية في لحظة كانت فيها بريطانيا تمزق جغرافيا المنطقة وتفكك بنياتها الاجتماعية والسياسية. وعليه، فإن توظيف مثل هذا المصدر بوصفه شاهدًا على «ذهنيات» جماعية لا يمكن اعتباره ممارسة علمية، بل يعكس خلطًا بين الأدب الاستعماري والتضليل التاريخي (10).
وعلى خلاف هذه الادعاءات، تُظهر الوقائع الاجتماعية المعاصرة أن الأصول الغالبة لعناصر الحركات الجهادية في سوريا تنحدر من المناطق السهلية والبادية، لا من المناطق الجبلية التي تقطنها جماعات كالدروز والعلويين. فقد تجذّرت تنظيمات مثل «الدولة الإسلامية» و«هيئة تحرير الشام» داخل بنى قبلية راسخة في إدلب وحماة وحلب وحوران ودير الزور والرقة، وهي نفسها مناطق شكّلت تاريخيًا خزّانًا اجتماعيًا داعمًا لنظام البعث (11). ومع تفويض الولايات المتحدة وبريطانيا حكم سوريا لهيئة تحرير الشام، تحوّلت الفزعة العشائرية إلى آلية تعبئة للعنف المنظّم، استُخدمت لتثبيت السيطرة عبر المجازر والإقصاء، دون أن يكون «الفلاح الجبلي» طرفًا بنيويًا في هذه الديناميات.
ومن زاوية أخرى، يذكر السياسي الكردي نور الدين ظاظا في مذكراته أنه خضع عام 1961 للإقامة الجبرية في مدينة السويداء مع موظفين ومعلمين أكراد، إذ كانت المدينة تُستخدم آنذاك مكانًا للنفي والعقاب، في ظروف معيشية قاسية. وقد شكّلت الحياة اليومية فيها نمطًا من العقاب الجماعي (12). وكان الدروز يعرفون بأن تعريب اسم جبل الدروز لم يحميهم من الإقصاء كجماعة مختلفة، ولن يمد لهم في الأفق المتخيل للقبائل الغازية، سوى خيطا متعرجا من الدماء.
في تموز 2025، توجهت جحافل البدو رفقة الفصائل الجهادية المنضوية تحت إدارة هيئة تحرير الشام بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع ـ العنصر السابق في تنظيم داعش وجبهة النصرة ـ لغزو السويداء. لم يقتصر الهجوم على العمليات العسكرية، بل اتخذ طابعًا استعراضيًا منظّمًا، متخذين من أجساد الضحايا الدروز سطحا لطبع تقنيات التنكيل والغل المصاحب بالقهقهات ودعس الجثث، فاتخذ طابعًا منظّمًا استهدف الجماعة الدرزية بوصفها ذبيحة مفضلة في ثقافة تُجرم الاختلاف، ممرغة بالحرب الأهلية، مثلتها ممارسات عنف جسدي ورمزي متلازمين، حوّلت القتل إلى أداة إذلال جماعي مُعلن، مجهزين بالموبايلات والمقصات والسيوف لتحويل القتل إلى منصة إذلال بحق الدروز ورموزهم الدينية. وثّق تقرير لجنة الخبراء في الأمم المتحدة جرائم النظام السوري الجديد على النحو التالي:
” أدى الهجوم إلى مقتل 1000 شخص، بينهم 539 مدنياً درزياً معروفين على الأقل – من بينهم 39 امرأة و21 طفلاً. كما أفادت التقارير عن إعدام ما لا يقل عن 196 شخصاً، بينهم ثمانية أطفال و30 امرأة، خارج نطاق القضاء، وأُحرقت أكثر من 33 قرية.
وأضاف الخبراء: ” إن حجم العنف – بما في ذلك المجازر، ونهب المنازل والمتاجر والمواشي، واستخدام الهواتف المسروقة للابتزاز – يشير إلى حملة ممنهجة تستهدف الأقلية الدرزية، تغذيها التحريضات على الكراهية في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي التي تصورهم كحلفاء لإسرائيل.”
وأضاف التقرير بأنه تم:
” خطف ما لا يقل عن 105 امرأة وفتاة درزية على أيدي جماعات مسلحة تابعة للسلطات السورية المؤقتة، وما زال 80 منهن مفقودات. بعض النساء اللواتي أُطلق سراحهن لا يستطعن العودة إلى منازلهن بسبب مخاوف أمنية. وفي ثلاث حالات على الأقل، تعرضت نساء درزيات للاغتصاب قبل إعدامهن” (13).
وقد شكر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع /الجولاني، القبائل البدوية التي شاركت إلى جانب الفصائل التابعة لقواته في المجازر بحق الدروز (14). واضعا بذلك الجريمة ضمن مهام حكمه. وهو ما كان يقوم به حرفيا نظام البعث، عبر استخدام نفس القبائل البدوية ضد الدروز سنة 2000، والتي انتهت مجزرة مشفى السويداء التي اسفرت عن قتل ميداني لـ 22 درزيا (15). ناهيك عن مبايعة عدد كبير من عشائر البدو لتنظيم داعش سنة 2015، وتسلموا مناصب قيادية في التنظيم الذي منحهم صفة “الأنصار” (16).
تظهر تقارير لجان التحقيق الأممية بخصوص الانتهاكات الجسيمة للفصائل السورية المسلحة، منذ احتلالها مدينة عفرين الكردية 2018 وإلى أحدث مجازرها في السويداء، مرورا ببقية المدن التي عبرتها، تكريسا لعرف إجرامي ذي صبغة نيكروفيلية/ اشتهاءً للجثث، وغلوا في التنكيل بالضحايا. يتعاملون مع القتل على أنه لذة وفعل سياسي في ثقافتهم المتمحورة حول العنف. فكل ما يتركونه خلفهم هي بيوت منهوبة ومحروقة، واغتصاب للنساء، وأحيانا اغتصاب الفتيات القاصرات أمام ذويهن، وإذلال ممنهج للضحايا، مثلتها في الحالة الدرزية، كما كان هو الحال مع العلويين والأكراد، في تحطيم وتنجيس الرموز الثقافية والدينية لهذه الجماعات، ومطالبتهم بالتحول إلى ديانتهم السلفية (17). يعكس ذلك نمطًا ممنهجا لا يمكن فهمه بوصفه فائض عنف ظرفي، بل باعتباره ممارسة ثقافية–سياسية متكررة في سلوك هذه الفصائل منذ سيطرتها على مناطق متعددة. بناءً عليه، لا يمكن اعتبار عنف هذه الفصائل مجرد وسيلة عسكرية بل وإنما هوية خاصة بهذه الفصائل. تضفي انتهاكاتهم حمولة رمزية على العنف، يُقصد به تحطيم الحوامل الأساسية لهوية الجماعات المستهدفة، وإعادة إنتاج علاقة سيطرة قائمة على الإذلال ونفي الكرامة.
لذلك، لا يمكن فهم مجزرة السويداء بوصفها حدثًا استثنائيًا أو معزولًا عن السياق الأوسع لمسار العنف الذي انتهجته الفصائل الجهادية المنضوية لاحقًا ضمن هيئة تحرير الشام وتشكل معه نظاما للقتل باسم ” نحن الدولة ولاك”. فمنذ مجزرة قرية “قلب لوزة” في محافظة إدلب عام 2015، والتي قُتل فيها عشرون مدنيًا درزيًا، وتلاها تهجير وفرض التحول الديني القسري على من تبقى من السكان، يتكشف نمط ثابت من استهداف الجماعات المصنفة كـ«أقليات» بوصفها حوامل لهويات مغايرة للمشروع السلفي الجهادي (18). وتؤكد تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إلى جانب تقارير أممية لاحقة، أن هذا المسار لم ينقطع، بل أعاد إنتاج نفسه في فضاءات جغرافية مختلفة، محتفظًا بالمنطق الإبادي ذاته وإن اختلفت الذرائع (19).
لذلك تشكل مجزرة الدروز في السويداء، تناسلا طبيعيا لنسغ إجرامي يحدد المحتوى الثقافي للفصائل التي ارتكبتها وللجماعات الأهلية التي تغذيها هذه الفصائل بالذخائر البشرية. وتعيدا معها رسم حدود التفاعل الهوياتي والإقصاء الذي سيرسمها الدرزي لرؤية نفسه في أفق الآخر. لأن المادة البشرية، وفقا للحجة المعللة بدقة من قبل فريدريك بارث، تعيد تنظيم نفسها وفقا لمعيار القيم التي تمثل وجودها وتمايزها عن غيرها (20). فإن كمية الذل التي حملتها مجزرة السويداء، ستشكل نقطة اللاعودة في علاقة الدروز مع أنفسهم بداية كجماعة إثنوـ روحية، وفي علاقتها مع محيطها الجغرافي الذي لم يبقى منه في المدى المنظور، سوى حجارة باليد تنتظر الظهور المؤجل للغزاة.
أظهرت دراسة مشتركة لباحثين في علم النفس وعلم الاجتماع من جامعتي أمستردام وبريمن، بأن الإذلال يشكل شعورا معقدا يصعب تخفيف معاناته، ويتعلق حصرا بهوية الفرد. ففي حين يمكن للتعذيب الجسدي أن يصنف زمنيا في سلم نسبي للنسيان، يبقى الإذلال في الذاكرة كحلقة داكنة تتقيح كلما تم استعادته، ويعيد معه موضعة وجود الضحية، بحيث يتمحور كل شيء حول المهانة التي أفضت إلى التبخيس من العناصر الجوهرية في هويتها (21). وحين تُوجَّه سياسات الإذلال إلى الحوامل الرمزية للهوية — كما في استهداف الرموز الدينية، وتشويه الجسد، والإكراه على التحول العقدي — تتحول الإهانة إلى تجربة جمعية تتجاوز حدود الخبرة المباشرة، لتطال كل من ينتمي إدراكيًا إلى الجماعة المستهدفة، سواء شهد الحدث مباشرة أو عبر الوسائط الرقمية. فالمقص الذي رافق عمليات قتل الدروز، وظهر في المظاهرات التي كانت تطالب بإبادتهم في بعض المدن السنية السورية، كان لهما الوقع ذاته، سواء على الدروز في سوريا أو في الدول الأخرى.
إن توثيق ممارسات الإذلال ونشرها على المنصات الرقمية لا يكتفي بنقل الحدث، بل يعيد إنتاجه بوصفه عرضًا مستمرًا، يُستعاد بلا انقطاع في الوعي الجمعي. في هذا السياق، تتقلص المسافة بين الفاعل والمتفرج، ويغدو المشاهد مشاركًا ضمنيًا في إعادة تدوير العنف، سواء عبر التطبيع معه أو تبريره أو التحريض عليه. وتؤدي هذه الديناميكية إلى تعزيز السلوك الإجرامي لدى الجناة، وإلى تعميق أثر الصدمة لدى الضحايا، حيث تتساوى التجربة المباشرة مع التجربة المُشاهدة في قدرتها على إعادة تفعيل الإذلال وإعادة إنتاجه.
ويعود سبب عدم القدرة على تجاهل تجربة الإذلال إلى اختلاف جوهري للشعور بالذل عن الخزي. فالشعور بالذل يبقى حصرا متعلقا بالطريقة التي ينظر بها المرء إلى نفسه، مجروحا في كرامته بشكل منفصل عن نظرة الآخرين له. بينما يكون الشعور بالخزي متعلقا بالنظرة الاجتماعية التي تضفيها كل جماعة على سلوك أفرادها، وبالتالي، بمجرد تغيير البيئة الاجتماعية، يمكن للشعور بالخزي أن يختفي. بينما يبقى الشعور بالذل مغروسا في النفس، ينهش من الداخل صورة المرء في نظرته. ولا يمكن لشعوره بالذل أن يفارقه أينما ذهب (22). وعندما يُزرَع هذا الشعور على نحو جماعي، يغدو جزءًا من الذاكرة الجمعية، ويعيد تشكيل العلاقة بين الجماعة وفضائها الاجتماعي على المدى الطويل.
لذلك، حينما يتحول فعل الإذلال إلى مسرح جماعي مقترن بالمنصات الرقمية، يتحول المتفرج إلى مشارك، ويتقمص دور الجلاد عبر توفير الذرائع للجرائم وتغذيتها بخطاب الكراهية. وفي هذا السياق، برز بقوة دور بعض وسائل الإعلام ـ العربية، الجزيرة، المشهد ـ التي منحت المجرمين ترخيصا بالقتل، وتعزيزا للعنف عبر تغطيتها المضللة لمجزرة السويداء، وعرضها كفقرة عابرة لنظام جهادي قائم على القتل والغزو العشائري. وبذلك تحول المقص والكلاشينكوف والمظهر البدائي للجماعات التي غزت السويداء، إلى آلية فصل بين ثقافتين حفر الدمُ بينهما حدودا، يستحيل بعدها أن تلتقي عبرها عيونهما دون نظرة تحمل معها الجريمة ومشاعرها العضوية من غضب وانتقام وإدانة.
وفي هذا المعنى، تصبح النظرة المتبادلة بين الجناة والضحايا هي المساحة التي تتجسد فيها التصورات الاجتماعية الجديدة، بوصفها أثرًا مباشرًا لعنف سعى إلى نفي الوجود الجماعي ذاته.
يشكل ما تقدم تجسيدا تفصيليا للمفهوم الذي جذره فكريا المؤرخ بارتوف في تحليله للإبادة كمرآة لمجتمع القتل. حيث يفضي الانقلاب الأخلاقي للجناة، تحت تأثير الخّدر الإيديولوجي، إلى الاحتفاء بالإبادة كشكل من أشكال المجد، فيسوغ الجاني فرحته بارتكاب الجرائم، عبر تصنيف الضحايا في خانة العدو المهدد لأمن البلد، حينها يغدو تدميره للفئة التي يصفها بالعدو ـ الدروز هنا ـ فعلا من أفعال الولاء لمجتمع القتل، لتترادف لديه المذبحة بالمجد (23).
الذاكرة والصدمة الجماعية لمجزرة السويداء
تتضافر الصدمات والانتصارات في تشكيل الإطار السردي للذاكرة الجمعية، حيث لا تُستعاد الأحداث بوصفها وقائع تاريخية محايدة، بل كمخازن للمعنى تُنتج منها الرموز والحوامل التاريخية المؤسسة لفكرة «الجماعة المتخيلة». ففي هذا الإطار، قد يُستحضر الحدث الصادم على هيئة بطولة للخَلاص، يتجسد عبرها البطل القومي كمُنقذ لمجتمع منكسر، على غرار رمزية سلطان باشا الأطرش في الوجدان الدرزي، أو يُعاد سرده بوصفه مأساة مرجعية تُستخدم لإعادة تأسيس الروابط الاجتماعية وترميم الوعي الجمعي المتصدع، كسلسلة المجازر التي تعرض لها الدروز في سوريا منذ 2015 على يد جبهة النصرة بإدلب، ومجزرة 2018 على يد داعش، و2025 على يد نظام هيئة تحرير الشام. وكلها جرائم طالت حرفيا هوية ومعنى واستمرار الدروز كطائفة. ولأن الذاكرة لا تعمل فقط على حفظ الماضي بقدر ما تعمل على إعادة تأويله بما يخدم استمرارية الجماعة ومعناها الذاتي، ستتحول هذه المجازر إلى خالق دلالي للهوية الدرزية ما بعد صدمة الإبادة.
تأتي الصدمة دائمًا محمولة على حدود جديدة، سواء في علاقتها بالزمن أو بالجماعات الأخرى المعتدية، فتغدو بعض الأحداث علامات فاصلة يُعاد عبرها تخيّل لحظة «الولادة من المأساة». ومن خلال المرويات المصورة للمأساة، يتحول الحدث إلى عنصر نشط في الذاكرة الجمعية ومحورٍ لهوية الجماعة، لا لأنه الأكثر عنفًا بالضرورة، بل لأنه الأكثر رمزية وقابلية لوضع الحد بين ما “قبله” وما “بعده”. ووفقًا لبرنارد غيزن (Bernhard Giesen)، فإن الصدمة تُخلّد لحظة اعتداء عنيف يمزق نسيج المعنى والروابط الاجتماعية المؤسسة، بحيث يعجز الوعي عن استيعابها لحظة وقوعها. غير أن هذا العجز لا يلغي الصدمة، بل يؤجلها، لتعود لاحقًا في شكل ذاكرة متجذرة تُعاد عبرها صياغة الرابطة الاجتماعية وبناء تاريخ ذي دلالة. وهنا، لا يصبح الحدث صادمًا بسبب شدته فحسب، بل بسبب قابليته لأن يُحمَّل بمعنى جمعي يُستخدم في تفسير الحاضر وتوجيه المستقبل. إعادة تشكيل الرابطة الاجتماعية وبناء سردية تاريخية ذات دلالة للجماعة المستهدفة (24).
وتتجلى هذه العملية بوضوح عند ربط مفهوم الصدمة بتحليل موريس هالبواكس للذاكرة الجمعية، حيث لا تُحفظ الذكريات داخل الأفراد بمعزل عن الأطر الاجتماعية التي تمنحها قابليتها للاستمرار. فالذاكرة الجمعية تُستعاد عبر حضور الآخرين، وتُصان من النسيان عبر التداول المشترك، ما يجعلها أكثر رسوخًا من الذكريات الفردية التي غالبًا ما تخضع لآليات الكبت والتلاشي. وبهذا المعنى، يُعاد تقسيم الماضي داخل الفرد نفسه إلى ماضٍ خاص وآخر جمعي، حيث تُستبعد التجارب الفردية غير القابلة للتمثيل، بينما تُضخّم الذكريات التي تخدم السردية الجامعة وتمنحها تماسكًا وهوية عبر حواملها الثقافية أو الاجتماعية التي تمنحها سببا للبقاء وماثلة باستمرار أمامنا (25).
وفقًا لقراءة مضمون الخطاب التحريضي الذي بثّه بعض الإعلاميين السوريين والخليجيين آنذاك، وما رافقه من شعارات ورموز عنفية (مقصات وسيوف) ظهرت في التظاهرات المناهضة للدروز، يتبيّن أن الهدف من المجزرة كان الإبادة الشاملة للدروز أو تجريدهم من درزيتهم ووفقا لخيارين: الموت أو الذل. ليُترجم العنف من خطاب إلى ممارسة: تمثّلت في القتل الجماعي، والتمثيل بالجثث، ونهب الممتلكات، وإحراق المنازل ودور العبادة.
كما اقترن العنف ببعد استعراضي واضح، تمثّل في توثيق بعض المنفّذين لأفعالهم ونشرها، بما في ذلك السير بين الجثث أو الاعتداء على الضحايا أمام الكاميرات أو يرمونهم من الأبنية، أو يخطفون النساء الدرزيات أمام كاميرات الإعلام. وهو ما أضفى على الجريمة طابعًا استعراضيًا يتجاوز البعد العسكري أو الانتقامي إلى مستوى التشفي الرمزي. في المقابل، بدا الخطاب الإعلامي الداعم للسلطة الانتقالية عاجزًا عن مقاربة الحدث في سياقه السياسي والاجتماعي الأوسع، إذ قُدّم الدروز أحيانًا بوصفهم طرفًا داخليًا منقسمًا على ذاته، وفي الوقت نفسه جرى تصويرهم كتهديد أمني، بما ساهم في إعادة إنتاج السردية التي تُضعف الاعتراف بطابع الجريمة الجماعي والمنظّم.
وقعت المجزرة معززةُ بخطاب ديني وإعلامي وفر لها الذرائع الرمزية لتحويل الشر إلى مجد، والانتهاك إلى «انتصار» ديني، لا يكتفي بإعادة سرد العنف، بل يعمل على تثبيته بوصفه لحظة تأسيسية لهويات مستحيلة التعايش، وفعل رمزي لإعادة ترسيم الحدود بين «نحن» و«هم»، وإدخال الإبادة ذاتها في قلب السردية المؤسسة للجماعة/ السلطة المعتدية. وبذلك، يتحول الدرزي بالضرورة إلى ترميز ذاتي لهويته التي تمايزه وجوديا، وتجعله بسببها موضوعا للقتل.
الصمت قرين التحريض
أظهرت محنة الدروز الأخيرة مدى هشاشة الروابط الاجتماعية والسياسية في سوريا التي لم تكن يوما دولة، حيث تداخل العنف الرمزي مع العنف المادي على نحو ممنهج. فإلى جانب صمت قطاعات من الجوار الاجتماعي، ولا سيما من المكوّن السني، برز عامل أكثر إيلامًا تمثّل في الخطاب التحريضي العلني الذي استهدف وجود الدروز ذاته، وهو خطاب رُوّج له عبر بعض القنوات الخليجية، والتلفزيون السوري الرسمي، وترافق مع مظاهرات في مدن ذات غالبية سنية انتهت باعتداءات مباشرة على طلاب دروز وطردهم من الجامعات، ما دفع أعدادًا منهم إلى النزوح القسري نحو المناطق الخاضعة للإدارة الكردية.
ويكتسب هذا السياق خطورته الإضافية من لجوء الرئيس الانتقالي إلى استدعاء مفهوم عشائري يُعرف بـ«الفزعة»، وهو مفهوم بدائي نشأ في المجتمعات البدوية كآلية تعبئة جماعية للحماية أو الغزو في ظل غياب المؤسسات القانونية. يشكل تفعيل هذا المفهوم في سياق سياسي معاصر عملية مقصودة لـ«تطييف» و«تعشير» الصراع، وتحويله من نزاع سياسي إلى مواجهة أهلية ذات طابع وجودي. وتعتبر هذه الآلية من الأعراف السياسية التي اعتمدها نظام البعث لعقود، تحييدا للسياسة من كل صراع معه.
ويُذكّر هذا المسار بما سبق أن قامت به الحكومة ذاتها حين أعلنت، عبر المنابر الدينية، الدعوة إلى ما سُمّي بـ«النفير العام» للهجوم على المناطق العلوية، وهو ما أفضى إلى مجزرة آذار/مارس 2025، التي راح ضحيتها آلاف المدنيين. وفي السياق نفسه، جاء شكر عضو لجنة السلم الأهلي، أنس عيروط، للقبائل التي شاركت إلى جانب الفصائل الحكومية في غزو السويداء، ليؤكد عملية إضفاء الشرعية السياسية والأخلاقية على العنف الأهلي المنظّم (26).
على المستوى الإعلامي، لعبت قناتا الجزيرة والعربية دورًا مركزيًا في إنتاج سردية تضليلية، إذ اتهمتا الدروز بارتكاب مجازر بحق البدو والفصائل الحكومية المسلحة، في تناقض صارخ مع تقارير الأمم المتحدة والأمنيستي انترناشيونال (27) ومنظمة هيومن رايتس ووتش (28) ، التي وثّقت أنماطًا مختلفة من الانتهاكات بحق المدنيين الدروز. يظهر هذا التباين مستوى التحريض والمساهمة التي مارستها هذه القنوات في المجازر التي حدثت ضد العلويين والدروز، ناهيك عن شيطنتها للكرد في سوريا منذ سقوط نظام البعث (29).
وتتقاطع التجربة الدرزية هنا مع تجربة الإيزيديين خلال اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لمناطقهم، حين أفادت ناجيات بأن العنف لم يأتِ من التنظيم وحده، بل شارك فيه جيران محليون من العرب السنة، انضموا إلى داعش، وقدموا له الدعم اللوجستي والمعلوماتي (30)، وساهموا في عمليات السبي والاتجار بالنساء في أسواق نخاسة امتدت من الموصل إلى مناطق في شمال سوريا، من بينها سجن «عقاب» في إدلب، الخاضع آنذاك لإدارة هيئة تحرير الشام (31).
إن هذا التشابه لا يهدف إلى افتراض مماثلة كاملة بين السياقين، بل إلى إبراز نمط متكرر من العنف الجماعي، وفشل فكرة “حسن الجوار” في نسج علاقات اجتماعية أو وطنية عابرة للهويات. ولجوء تنظيم هيئة تحرير الشام إلى تديين السياسة، وتسييس الهويات الأولية، وتحويل الجوار الاجتماعي إلى أداة قتل، وتفكيك البنى المدنية، وتحطيم ـ على غرار نظام البعث ـ أي إمكانية لتحول النسيج الاجتماعي إلى نسيج وطني، يتطور إلى شكل من أشكال المقاومة السياسية ضد عنف السلطة الانتقالية.
ستترابط المجازر التي تعرّض لها الدروز على يد نظام البعث عام 2000، وجبهة النصرة عام 2015، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عام 2018، وهيئة تحرير الشام عام 2025، لتُنتج سرديةً مؤسسة للهوية الدرزية في أفق الإبادة. لن ينسى الدرزي أنه ابن هويته المستباحة، ولا الصمت الذي خيّم على وجدان من شاركهم حلم الحياة الكريمة داخل جغرافيا متصدعة بالتاريخ والدم. لن ينسى المقص الذي أُذِّل به العجوز “مرهج شاهين”. لن ينسى ضحك الغزاة وهم يتلذذون برمي الشباب الدروز من شرفة بيتهم بعد إعدامهم، ولا النساء الدرزيات اللواتي اغتُصبن قبل قتلهن.
وستبقى الأغنية التي صرخ بها سميح شقير: «غزوة همج وسلاح» حاضرة في الذاكرة، لا بوصفها رثاءً، بل كفعل تذكيرٍ دائم، يعيد بناء الهوية الدرزية بصلابةٍ أشد، وبعيون مفتوحة على اتساعها، سيحدق الدروز في المجزرة كي لا تحدث مرةً أخرى.
المراجع:
- سليمان سليم علم الدين، دعوة التوحيد الدرزية، المدارس الفكرية والتيارات السياسية. بيروت، دار نوفل 1998، ص 235ـ236.
- عبد القهار البغدادي: الفَرقُ بين الفِرَقِ. تحقيق: محمد عثمان الخشت، القاهرة، دار ابن سينا، 1988، ص 203ـ204.
- مجموع فتاوي ابن تيمية، الجزء 3، الفقه، باب حكم المرتد، مسألة حكم الدروز والنصيرية. نسخة الكترونية على اسلام ويب، ص 161، على الرابط التالي: https://isla.mw/ao1zth
- محمد كرد علي، جبل الدروز وفتنتهم، مجلة المقتبس، العدد 4، دمشق 1 ابريل 1910، ص 307
- حنا بطاطو، فلاحو سوريا، أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنا وسياساتهم. ترجمة: عبد الله فاضل ورائد نقشبندي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2014، ص 223.
- المصدر السابق، ص 229.
- المصدر السابق
- عبد الرحمن الشهبندر، المذكرات، دار الإرشاد، بيروت 1967، ص 169 ـ 170.
- حنا بطاطو، فلاحو سوريا، أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنا وسياساتهم، مصدر ذكر سابقا، ص 43.
- المصدر السابق ص 49.
- راجع بهذا الصدد: خضر خضّور و كيفن مازور، توقعات من الشرق: الديناميكيات المتغيرة في المناطق القَبَلِيَة السورية، مركز مالكوم كير كارنغي للشرق الأوسط، 28 فبراير 2017، على الرابط التالي: https://carnegieendowment.org/research/2017/02/eastern-expectations-the-changing-dynamics-in-syrias-tribal-regions?lang=ar
- نور الدين ظاظا، حياتي الكردية، ترجمة: روني محمد دُملي، أربيل، دار آراس، 2001، ص 177
- Special Procedures, Syria: UN experts alarmed by attacks on Druze communities, including sexual violence against women and girls, Geneva, 21 August 2025
https://www.ohchr.org/en/press-releases/2025/08/syria-un-experts-alarmed-attacks-druze-communities-including-sexual-violence - خطاب أحمد الشرع بخصوص أحداث السويداء. على اليوتوب. 19 تموز 2025، الدقيقة 03:05، على الرابط التالي:
https://www.youtube.com/watch?v=ULAdkrZTqxA - يوسف فخرالدين وهمام الخطيب، التوظيف في الصراعات الضدية: سلطة الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية، منشورات مركز دراسات الجمهورية الديموقراطية والمركز السوري للدراسات القانونية. 2020. ص 19
- المصدر السابق، ص 99.
- United Nations, General Assembly, Report of the Independent International Commission of Inquiry on the Syrian Arab Republic, 14 September–2 October 2020, article 56/59/60/63/64, pp 13/16, https://docs.un.org/en/A/HRC/45/31
- جريدة القدس العربي: أحد سكان القرى «الدرزية» في ريف ادلب: «جبهة النصرة» بدأت ببناء مساجد صغيرة وفرضت تعاليم المنهج السلفي الجهادي علينا، 17 فبراير 2015: https://2u.pw/wWIBha/
- الشبكة السورية لحقوق الإنسان، تقرير: أبرز انتهاكات هيئة تحرير الشام منذ تأسيس جبهة النصرة.31 كانون الثاني 2022. https://2u.pw/vNR8o
- Barth, Frederick, Les groupes ethniques et leurs frontières, dans Poutignat, P. et J. Streiff-Fenart, Théories de l’ethnicité, Paris, PUF, pp. 203-249
- Mann L, Feddes AR, Leiser A, Doosje B and Fischer AH (2017) When Is Humiliation More Intense? The Role of Audience Laughter and Threats to the Self. Front. Psychol. 8:495. doi: 10.3389/fpsyg.2017.00495
- Mann L, Feddes AR, Leiser A, Doosje B and Fischer AH (2017) When Is Humiliation More Intense? The Role of Audience Laughter and Threats to the Self. Front. Psychol. 8:495. doi: 10.3389/fpsyg.2017.00495
- Omer Bartov, Mirrors of Destruction: War, Genocide, and Modern Identity, Oxford University Press, 2000, pp 29-30
- Bernhard Giesen, Cultural Trauma and Collective Identity, The Trauma of Perpetrators, the Holocaust as the Traumatic Reference of German National Identity, University of California Press Berkeley, California,2004, pp 113 – 114
- Maurice Halbwachs, La mémoire collective, version numérique produit par Mme Lorraine Audy, Et Jean-Marie, Dans le cadre de la collection : “Les classiques des sciences sociales” 2001, pp 27-28
- دعوات إلى إعلان السويداء منكوبة/ الشرع يتعنّت: نحارب بالعشائر، جريدة الأخبار، 19 تموز 2025، على الرابط التالي: https://2u.pw/ReN2k
- Amnesty International, Syria: New investigation reveals evidence government and affiliated forces extrajudicially executed dozens of Druze people in Suwayda, 2 September 2025, https://2u.pw/3RNvn
- Human Rights Watch, Syria: Abuses, Humanitarian Emergency Amid Sweida Clashes, July 22, 2025, https://www.hrw.org/news/2025/07/22/syria-abuses-humanitarian-emergency-amid-sweida-clashes
- رأفت أبازيد، مجزرة ونزوح جماعي للبدو من ريف السويداء بعد انسحاب قوات الجيش، الجزيرة نيت، 17 تموز 2025، على الرابط التالي: https://2u.pw/sbfMX
- جيزيل خوري، برنامج المشهد على بي بي سي عربي.، مأساة الأيزيديين في العراق، شهادة ليلى تعلو، برنامج المشهد على بي بي سي عربي. 8 نوفمبر 2018. الدقيقة 03:04. على الرابط التالي: https://www.youtube.com/watch?v=Et0BMIoflO8
- لامار أركندي: ست سنوات في الجحيم، شهادة صادمة من شيريهان رشو. سكاي نيوز عربية. 25 ديسمبر 2020، على الرابط التالي: https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1403054
Swaida Intellectual Digital Magazine. (2026). Vol. 1(3). ISSN: 3099-3172 (online).


1 Comment
بواسطةSocrates Naufal
تعليق نقدي على مقال ’’الدروز في حدود الصدمة والذاكرة الجماعية‘‘
يتناول المقال موضوعاً بالغ الأهمية، يتمثل في العلاقة بين الإذلال والصدمة الجمعية، وإعادة تشكيل الهوية، وهي إشكالية تستحق معالجة تحليلية دقيقة ومركّزة. غير أن القيمة الموضوعية للنص لا يقابلها ضبط منهجي مماثل في بنائه، ما ينعكس على مستوى الحجة وتماسكها.
على مستوى التمهيد، يلاحَظُ ميلٌ واضح إلى إعادة صياغة الفكرة ذاتها بصيغ لغوية متعددة من دون إضافة بُعد تحليلي جديد. فعبارات مثل: ’حينما يكون سبب تمايو جماعة ما هو ذاته سبب استهدافها‘، ’يتحو لالعنف إلى آلية لإعادة تعريف الجماعة لذاتها‘، ’تتصدع علاقتها مع المجتمع‘، تمثل حركات تعبيرية متتالية لفكرة واحدة، ما يحوّل التأسيس المفهومي إلى تكرار تفسيري يضعف تقدّم الحجّة.
أما على مستوى الإطار النظري، يعلن النص اعتماده على مفاهيم مثل ’الحدود الثقافية‘ لدى فريدريك بارث و’التصور والإبادة‘ لدة عمر بارتوف، إلا أن حضور هذه الأطر يبقى أقرب إلى الإحالة المرحعية منه إلى التوظيف الإجرائي. إذ لا يظهر في المتن استخدام فعلي لهذه المفاهيم كأدوات تحليلية لتفكيك الحالة المدروسة.
كما يبرز في النص خلط بين مستويات تفسيرية متعددة (استعمارية، سلطوية، دينية) من دون ضبط واضح للعلاقة بينها. ويتجلى ذلك في الانتقال من تفسير العنف بوصفه نتاجاً لترسيمات ما بعد الحرب العالمية الأولى، إلى سياسات حزب البعث، ثم إلى البنى الدينية، ضمن تسلسل يوحي بالترابط السببي من دون أن يحدده بدقة. ونتيجة لذلك، يغدو كل مستوى تفسيراً قائماً بذاته، وفي الوقت نفسه جزءاً من سلسلة سببية غير منضبطة.
ويظهر كذلك انزلاق نحو التعميم في بعض الأحكام، كما في القول: ’لا يمكن اعتبار عنف هذه الفصائل مجرد وسيلة عسكرية بل وإنما هوية خاصة بهذه الفصائل‘. ينطوي هذا الطرح على قفزة مفهومية من توصيف الممارسة إلى تعريف الهوية، من دون تقديم مسوّغ تحليلي كافٍ يبرر هذا الانتقال.
على المستوى اللغوي، يميل النص إلى استخدام تعبيرات ذات كثافة بلاغية عالية، مثل ’نسغ إجرامي يحدد المختوى الثقافي للفصائل‘، و’لن ينسى الدرزي أنه إبن هويته المستباحة‘، وهي تعبيرات قوية من حيث الشحنة العاطفية، لكنها تميل إلى أداء وظيفة تعبوية أكثر منها تفسيرية، ما يؤثر على دقة المفاهيم المستخدمة.
كما يُلاحَظ اعتماد النص على صيغ تقريرية ذات طابع حتمي، رغم تصريحه النظري بنفي الحتمية، كما في قوله: ’لا يُقصد بهذه العملية افتراض مسار حتمي‘، وهو ما يخلق توتراً داخلياً بين مستوى التصريح ومستوى الصياغة.
في موضع آخر، يطرح النص مركزية ’العقل‘ في ’مذهب التوحيد‘ بوصفها سمة مميزة، غير أن هذا الطرح يحتاج إلى مزيد من التحديد، نظراً لكون الإحالة إلى العقل كمبدأ ليست حكراً على التجربة الدرزية، بل تشترك فيها تيارات إسلامية متعددة، ما يستدعي توضيحاً أدق لطبيعة هذا التميّز.
ختاماً، يمتلك النص مادة غنية وحساسية واضحة تجاه موضوعه، غير أن غياب الاقتصاد اللغوي، والتداخل بين المستويات التحليلية، والتنظيف غير المفعّل للإطار النظري، تحوّله في مواضع عديدة من تحليل للظاهرة إلى مرافعة ضمنها. وكان من شأن ضبط هذه العناصر أن يعزز من قدرة النص على تفسير ما يسعى إلى إدانته.