Skip to content Skip to footer

السويداء: من المطالبة بالمواطنة إلى تقرير المصير

image_print

قراءة في التحولات الاستراتيجية وحدود البدائل الواقعية في ظل انهيار نظام الحكم وتحوله الأيديولوجي

معن أبو عمار

مقدمة: الدولة الإمبراطورية واستغلال الفراغ البنيوي

لفهم نموذج الحكم في الدولة السورية في مرحلة نظام الأسد، يمكن الاستعانة بمفهوم «الدولة الإمبراطورية» كما أشارت إليه كاسترينو (Kastrinou 2016,151-161)، لوصف سياسات الحكم القائم على إدارة الاختلاف الداخلي. في الدولة الامبراطورية لا تقوم الدولة على مبدأ المواطنة المتساوية أو الإدماج القانوني الشامل، بل على ما يمكن تسميته «الحكم من خلال الاختلاف»، حيث يُعاد إنتاج التنوع الاجتماعي والطائفي وتنظيمه بيد السلطة لتحريكه وفقاً لمصالحها ومتطلبات بقائها واستقرارها.

من هذا المنطلق يفترض أن التغير البنيوي في طبيعة السلطة يقتضي تفكيك منطق إدارة التعدد الذي حكم علاقة الدولة بالمجتمع لعقود والحكم في إطار جامع قادر على تحويل التعدد إلى مواطنة متساوية.

لكن نموذج الحكم هذا تم تصميمه ليكون رهاناً على سلامة المجتمع، بحيث أن انهياره سيؤدي لانهيار المجتمع، كما وصفته كاسترينو بـ«النبوءة ذاتية التحقق»، إذ يكشف أن ما كان يُقدَّم سابقاً بوصفه انسجاماً ثقافياً ليس إلا نتاج سياسات مقصودة لإدارة الفروقات الاجتماعية والطائفية وإعادة إنتاجها، بحيث يؤدي اختلال التوازن المصطنع إلى انكشاف العنف الكامن فيه.

في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، انهار النظام الأمني الذي حكم سوريا منذ عام 1971، وذلك بعد هجوم قادته هيئة تحرير الشام وهي منظمة جهادية، بقيادة محمد الجولاني (أحمد الشرع)، الذي أعلن نفسه رئيساً (Sadeghi 2026,4).

وفي هذا السياق، تشير عدة دراسات إلى توصيف هيئة تحرير الشام بوصفها مشروع حكم ذي طابع إسلامي أيديولوجي، حاول إعادة تقديم نفسه كسلطة أمر واقع ذات طابع مدني، غير أن هذا التحول الخطابي لم يؤدِّ إلى تفكيك الإطار العقائدي الصارم الذي يحكم ممارساته، بل ظل مقترناً بأنماط حوكمة تُقيِّد التعددية وتُعيد تعريف الاختلاف الاجتماعي والديني ضمن مقولات معيارية ذات طبيعة عقدية (Ajjoub 2021)

ضمن هذا الإطار التحليلي، تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن التحول نحو سلطة دينية إقصائية، لا يصحح نموذج الحكم القائم على الاختلاف، إنما يمهد لانتهاكات ممنهجة ضد الأقليات، ويعتبر سبب رئيسي لتفكك الدولة ودفع الجماعات المهمّشة والمضطهدة إلى إعادة تعريف علاقتها بها، وصولاً إلى تبنّي خيارات انفصالية بوصفها استجابة وجودية لفشل الدولة في أداء وظائفها الأساسية.

ومن هنا، انتقل النقاش العام، ولا سيما في أوساط الأقليات، من مطالب بدولة المواطنة داخل إطار الدولة إلى تساؤلات أعمق تتعلق بجدوى الاستمرار ضمن كيان بات عاجزاً، أو غير راغب، في الوفاء بالتزاماته الأساسية تجاه مواطنيه كافة، بل أن لديه توجه اديولوجي لا يعترف بالمساواة في بنيته العقائدية.

في هذا المقال سيتم استعراض الضروف التي أدت للتحول من خطاب المواطنة الى المطالبة بتقرير المصير، وسيتم تفكيك بنية السلطة الجديدة وايدولوجيتها المتناقضة مع المواطنة والمساواة، ومن ثم سيتم الاضاءة على الانتهاكات والجرائم ضد الانسانية وموقف القانون الدولي وأفاق الحكم والإدارة المستقلة، والحق في تقرير المصير ونظرية الانفصال العلاجي.

من خطاب المواطنة إلى سؤال البقاء: الانتهاكات على أساس طائفي

من جهة أخرى، لا يرى البعض أن الاختلاف والتنوع كتهديد يتعيّن استئصاله، حيث يشير بعض الباحثين (Sadeghi, 2026,36-37) إلى مقاربة ترى في التعددية الاجتماعية والثقافية في سوريا عنصراً إيجابياً ينبغي احترامه، وأن الانسجام الثقافي والتنوع هو الطريق للمواطنة، ويقود إلى تفكيك إرث الاستبداد وبناء مستقبل أكثر تشاركية ومساواة. رغم ذلك، مع انهيار نظام الأسد، برزت رؤية مهيمنة جديدة، مُؤطَّرة من منظور جهادي، تتخذ من الشريعة موجهاً رئيسياً لها، تنكر التعدد والتنوع وتسعى لفرض نمط حياة معين.

هذه الرؤية رافقها موجة واسعة من التحريض الطائفي، والحظ على الكراهية، تطورت حتى انتقلت من مستوى الخطاب إلى أنماط عنف ممنهجة، وتهديدات فعلية للأقليات (United Nations, “Hate Speech and Real Harm)، بدأت بتهديد الطلاب الدروز في الجامعات السورية وتعرض بعضهم للاعتداء بسبب ديني، حتى اضطر غالبية الطلاب الدروز لمغادرة الجامعات السورية وفقاً لما وثقه المرصد السوري لحقوق الانسان (Syrian Observatory for Human Rights). تبع ذلك حملات أمنية على مناطق الأقليات في عدة مناطق متفرقة رافقتها مشاهد عنف وانتهاكات، وعلى سبيل المثال خلصت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة إلى أن المجازر والانتهاكات في الساحل السوري ترتقي إلى مستوى جرائم حرب، وفق تقرير أممي UN News Arabic, August 2025. ومع اتساع نطاق الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الحكومية بحق الأقليات، لم تعد رؤية «دولة المواطنة» تُستحضر بوصفها مطلباً جماهيرياً قابلاً للتحقق في المدى المنظور، بل بات يُنظر إليها من قبل قطاعات اجتماعية واسعة كإطار معياري فاقد لشروط التحقق في ظل التوجه الايديولوجي للسلطة الجديدة. وقد انعكس هذا التحوّل بوضوح في السويداء، حيث بلغت الانتهاكات التي طالت الهوية الدينية والاجتماعية مستويات غير مسبوقة خلال أحداث منتصف تموز/يوليو 2025، وفق ما وثقته تقارير حقوقية دولية متعدّدة (Amnesty International 09/2025؛ Human Rights Watch 01/2026). على سبيل المثال، حدّد المركز السوري للعدالة والمساءلة نمطاً من الجرائم التي ترقى إلى جرائم حرب، من بينها القتل خارج نطاق القضاء، واحتجاز الرهائن، والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة—بما في ذلك ممارسات تمس الكرامة الشخصية مثل حلق شوارب مسنّين قسراً—إضافة إلى خطف النساء، والاعتداءات الجنسية، ونهب المنازل والمتاجر (Syrian Justice and Accountability Centre 07/2025). وأشارت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن هذه الانتهاكات تكشف عن فشل منهجي في حماية الأقليات والتصدي للعنف القائم على النوع الاجتماعي، في ظل غياب تحقيقات شاملة ومستقلة ومحايدة بشأن الإعدامات خارج نطاق القضاء، والتعذيب، وعمليات الخطف. كما أفادت بأن تورّط قوات تابعة للسلطات السورية المؤقتة في تنفيذ الهجمات أسهمت في ترسيخ مناخ الإفلات من العقاب والخوف، وأعاقت جهود الكشف عن مصير المختفين (OHCHR 08/2025).

وبالمثل، وثّقت هيومن رايتس ووتش في تقرير حديث حوادث قتل تعسفي أسفرت عن مقتل مدنيين دروز بينهم أطفال، وحالات تمثيل بالجثث بما يشكّل انتهاكاً جسيمًاً للكرامة الإنسانية (Human Rights Watch 01/2026). كما وثّقت منظمة العفو الدولية واقعة إعدام داخل المستشفى الوطني، بما يعكس اتساع دائرة الانتهاكات لتطال مرافق يفترض أن تتمتع بحماية خاصة (Amnesty International 09/2025).

محلياً، لم تُقرأ هذه الوقائع باعتبارها حوادث معزولة أو نتيجة «انفلات أمني»، بل فُهمت بوصفها مؤشراً على انهيار العقد الاجتماعي، وتحول الدولة—أو ما تبقى من أجهزتها—إلى فاعل عاجز عن الاضطلاع بوظيفته الأساسية أو متواطئ في انتهاكها. وقد أسهم هذا الإدراك في فقدان الثقة بالدولة وأجهزتها، وإعادة ترتيب الأولويات من المطالبة بالمواطنة داخل إطار الدولة إلى البحث عن آليات حماية دولية خارجها. ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن إخفاق الدولة في أداء وظيفتها الجوهرية وفق نظرية الدولة الحديثة، أي احتكار القوة المشروعة وتوفير أمن متساوٍ لجميع المواطنين (Weber 1919). كما يتعيّن قراءته في ضوء طبيعة السلطة التي تشكّلت في مرحلة ما بعد الانهيار، والتي أعادت تعريف القانون والشرعية على نحو يربطهما مباشرة بالانتماء الديني.

بنية السلطة الجديدة: الحكم الهجين وحدود القانون

واجهت السويداء، كما مناطق أخرى، نموذجاً يمكن توصيفه بـ «الحكم الهجين» (Hybrid Governance)، حيث تتداخل بقايا مؤسسات رسمية مع فاعلين ذوي مرجعيات إيديولوجية دينية. هذا النمط، كما حلّله مامبيلي (Mampilly 2011)، يؤدي غالباً إلى تآكل سيادة القانون، وتحويل النصوص القانونية إلى أدوات انتقائية للضبط والإقصاء.

ولا تقتصر أثار هذا النمط من الحكم على المجال القانوني والمؤسسي، بل تمتد الى البنية النفسية ـ الاجتماعية للجماعات التي تعيش في ظله. في هذا السياق، لا تُطرح إشكالية العلاقة بين الأقلية الدرزية والسلطة الجديدة بوصفها خلافاً سياسياً تقليدياً، بل كتناقض بنيوي بين هوية جماعية مهدَّدة وسلطة ترى في هذه الخصوصية الدينية والثقافية خروجاً عن نموذجها المعياري. وهذا يدفع للاعتقاد بأن “سوسيولوجيا الخوف” ليست ناتجة عن نزعة انعزالية طائفية، بل هي استنتاج عقلاني مفادة أن سيادة القانون في ظل سلطة ايديولوجية هي تناقض لفضي. واستناداً إلى نظرية الهوية الاجتماعية (Tajfel & Turner 2004)، فإن استمرار التهديد الوجودي يدفع الجماعات إلى أنماط من التماسك الدفاعي، وهو ما يفسر الالتفاف الاجتماعي حول مشيخة العقل، ليس كسلطة دينية بديلة، بل كمرجعية اجتماعية–رمزية في فراغ السيادة وغياب الدولة التي تحولت لتهديد.

وعلى أي حال، فإن هذه الديناميات، على أهميتها التفسيرية، بقيت في إطار التوقع والتحسب، إلى أن جائت أحداث ميدانية كبرى نقلت الخوف من مستوى الاحتمال إلى مستوى التجربة المباشرة. 

القانون الدولي:  الجرائم ضد الانسانية

تمثل أحداث منتصف تموز/يوليو 2025 نقطة مفصلية في الوعي الجمعي للأقلية الدرزية في السويداء، حيث بلغ حجم الانتهاكات وطبيعتها المنهجية واستهدافها الرمزي للهوية الدينية مستويات غير مسبوقة. فالسياق الذي حصلت فيه هذه الانتهاكات وحجمها، هوية منفذيها وضحاياها، طريقة تنفيذها ودوافعها، توصيفها القانوني، كل ذلك يخرجها من نطاق أزمة أمنية محلية بسبب تعقيدات هذه الانتهاكات، ما يستدعي نقل النقاش إلى الإطار القانوني الدولي.

من منظور القانون الدولي الجنائي، يمكن إدراج هذه الأفعال ضمن الجرائم ضد الإنسانية وفق المادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بالنظر إلى أنها ارتكبت كجزء من هجوم واسع النطاق ومنهجي موجه ضد مجموعة محددة من السكان المدنيين (Rome Statute of the International Criminal Court 1998, Art. 7). وتشمل هذه الجرائم القتل خارج نطاق القضاء، التعذيب، الاحتجاز القسري، والاعتداءات الجنسية المنهجية، وهي أفعال تعكس نمطاً ممنهجاً من العنف ضد الأقليات.

وفي حال عجز الدولة عن الحماية أو تورطها في هذه الانتهاكات، يبرز مبدأ المسؤولية عن الحماية (Responsibility to Protect, R2P)، الذي ينص على أن الدولة تتحمل المسؤولية الأساسية لحماية شعبها من الجرائم الجماعية، وعندما تكون غير قادرة أو غير راغبة في ذلك، تقع المسؤولية على المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات مناسبة لحماية المدنيين. 

ورغم أن هذا المبدأ لا يمنح تلقائياً شرعية لأي تدخل، فإنه يوفر إطاراً قانونياً مشروعاً للنقاش حول ضرورة الحماية الدولية أو الإقليمية في حالات الفظائع الجماعية (Evans 2009). وفضلاً عن ذلك، ففي ظل محدودية آليات الإنفاذ الدولي، يبرز نقاش مواز حول أشكال الحماية الممكنة خارج الإطار الدولي المركزي، بما في ذلك اعتماد آليات حماية اجتماعية–محلية، وتعزيز دور المرجعيات الاجتماعية كمؤسسات دفاعية في مواجهة تهديد وجودي، وهو ما يعكس الصلة المباشرة بين تآكل الدولة القانونية وخيارات الجماعات المهمشة في البحث عن حماية بديلة، بما فيها إمكانية تبني خيار تقرير المصير أو الانفصال.

بين الكانتون الطائفي والمجتمع المدني

تواجه أي نقاشات حول الاستقلال أو الإدارة الذاتية في السويداء اتهامات بأنها تعكس نموذج «الكانتون الطائفي». غير أن هذا التوصيف يغفل البنية الاجتماعية–الدينية الحقيقية للمجتمع الدرزي، ويختزل الدين في سلطة سياسية مؤطرة، متجاوزاً التعقيد الفعلي للتنظيم الاجتماعي المحلي للدروز.

فالطائفة الدرزية، وفق معظم الدراسات التاريخية ودراسات الفكر الديني لا تمتلك مشروعاً ثيوقراطياً أو نظاماً تشريعياً دينياً قابلاً للتحول إلى دولة دينية (Firro 1992; Makarem 1974). كما أن الانقسام التقليدي بين المتدينين «العقال» وغير المتدينين «الجهال» يعكس طابعاً مدنياً واسعاً، قائماً على التنظيم الاجتماعي والعلاقات العائلية والقبلية، لا على هيمنة دينية على المجال العام.

وعليه، فإن الطرح المحلي للاستقلال أو الإدارة الذاتية، كما يظهر في الخطاب الاجتماعي والسياسي، لا يقوم على فرض هوية دينية، بل على إعادة بناء إطار إداري–أمني يحمي مجتمعاً مهدداً من توسع الإيديولوجيات المتشددة، وهو استجابة عملية لفشل الدولة في أداء وظيفتها الأساسية تجاه الأقليات.

ضمن هذا السياق، تتبلور مواقف القيادات المحلية بوصفها تعبيراً عن تحولات أوسع في الوعي الاجتماعي والجماعي، وليس كمبادرات فردية أو مشاريع متكاملة. هذه الديناميات توضح كيف أن انهيار سلطة الدولة التقليدية، وتزايد التهديد الوجودي للأقليات، يدفع إلى البحث عن حلول بديلة خارج الإطار المركزي للدولة، بما فيها إدارة شؤون المجتمع ذاتياً أو التفكير في خيارات تقرير المصير.

تحوّل الخطاب المحلي في السويداء بين الهاجس الوجودي وخيارات تقرير المصير

مثّلت تصريحات الشيخ حكمت الهجري، وهو الرئيس الروحي لطائفة الدروز، ولا سيما مقابلته مع يديعوت أحرونوت (2026)، تحوّلاً نوعياً في الخطاب السياسي المحلي تجاه مستقبل السويداء. غير أن تحليل هذا الخطاب يقتضي التفريق بين وصف واقع مأزوم وتبني خيار سياسي. فالحديث عن الاستقلال أو عن التحالفات الإقليمية لا يُفهم بوصفه إعلان دولة بقدر ما يعكس إدراكاً محلياً لانهيار الإطار الوطني الجامع وفشل الدولة في حماية الأقليات (Ynet News, January 13, 2026).

يمكن قراءة الخطاب هنا كاستجابة وجودية، حيث تُعاد صياغة التحالفات وفق منطق الحماية بدلاً من الانتماء العقائدي، وهو ما تفسره الفرضية التي ترى أن انهيار الدولة وغياب الحماية البنيوية للأقليات يدفعها نحو خيارات انفصالية أو إدارة ذاتية لحماية وجودها.

مع ذلك، قد يرى بعض المراقبين أن هذا الطرح ينطوي على عدة مخاطر، منها هشاشة الاعتراف الدولي، واحتمال العزلة الاقتصادية، وحتى الانقسام الداخلي حول المشروع ذاته. وهي مخاطر لا يلغيها الخطر الوجودي، لكنها تفرض نقاشاً عقلانياً حول شروط النجاح والفشل، كما أن تحويل هذا الخطاب إلى مشروع سياسي قابل للنقاش يقتضي اختباره ضمن الأطر القانونية الدولية، لا سيما ما يتعلق بحق تقرير المصير (Crawford 2006; Evans 2008).

تقرير المصير بين مقتضيات السيادة وضرورات الانفصال العلاجي 

نشأ حق تقرير المصير في القانون الدولي في سياق ميثاق الأمم المتحدة ليؤكد سيادة الشعوب كمصدر للسلطة، دون أن يهدد سيادة الدول القائمة. فهو يمنح الشعب الحق في اختيار مساره السياسي والاقتصادي والاجتماعي وفق إرادته، دون تدخل خارجي لفرض نظام حكم معين. كما أكّده إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة (القرار 1514)، بما أتاح للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي حق تقرير مصيرها وإنهاء الهيمنة الخارجية. وهذا يعني أن تقرير المصير لا يعني تلقائياً الانفصال عن الدولة. غير أن  فقهاء القانون الدولي تحدثوا عن ما يعرف بـ «الانفصال العلاجي» (Remedial Secession) كاستثناء في حالات الاضطهاد الجسيم. والانفصال العلاجي كما عرفه فان دين دريست (2013,7) يعني إنشاء دولة مستقلة جديدة من خلال سحب جزء من أراضي دولة قائمة، على أن يتم ذلك من قِبل سكان ذلك الجزء من الأراضي، دون موافقة الدولة الأم أو تفويض دستوري داخلي، ولكن كحل أخير للظلم الجسيم الذي لحق بسكان ذلك الجزء على يد سلطات الدولة الأم.

ووجد هذا المفهوم مكانه في التطبيق في قضية كوسوفو، حيث جاء في رأي البروفيسور توموشات الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن استقلال كوسوفو، أنه يجب أن يسمح القانون الدولي لأفراد مجتمع يعانون من تمييز بنيوي – يرقى إلى مستوى التحيز الخطير الذي يؤثر على حياتهم – بالسعي إلى الانفصال كإجراء أخير بعد فشل جميع الوسائل الأخرى المستخدمة لإحداث التغيير International Court of Justice 2009, paras. 4.39)). كما استشهد فقهاء أخرون بقرار المحكمة العليا الكندية في قضية انفصال كيبيك، الذي أكد على حق الانفصال عندما تتعرض جماعة محددة لانتهاكات مادية جسيمة تجعل من بقائها ضمن الدولة القائمة أمراً غير آمن International Court of Justice 2009, paras. 4.40))

بالإسقاط على واقع السويداء، يمكن تكييف التحول نحو خطاب تقرير المصير ليس كنزعة انفصالية أيديولوجية، بل كاستجابة قانونية لظروف الاضطهاد وفشل الدولة في الوفاء بالتزاماتها. وحتى عدم تصور قدرتها على ذلك نظرا لبنيتها الايديولوجية التي لا تعترف بحقوق متساوية للأقليات فضلاً عن تهديد وجودهم. وبذلك، يمكن أن تكتسب المطالب المحلية مشروعيتها من كونها محاولة لتعويض غياب الحماية الرسمية ببدائل إدارية وأمنية قادرة على صون الوجود المادي والكرامة الإنسانية، وهو ما يتسق تماماً مع المعايير الدولية التي تجيز فك الارتباط القانوني في حالات الضرورة القصوى والاضطهاد الممنهج.

من هذا المنطلق، يمكن القول إن السويداء تمتلك حجج قانونية جديرة بالنقاش للمطالبة بصيغة للحكم الذاتي تضمن الحماية واحترام حقوق الإنسان  وفق الأطر القانونية الدولية، مع مراعاة مبدأ المسؤولية عن الحماية (R2P) في حالة فشل الدولة (Evans 2008). ومع ذلك، فإن أي خيار قانوني لا يكتسب قيمته العملية إلا عند مقارنته ببدائل أخرى متاحة، وتقييم كلفته ومخاطره على المستويين الإقليمي والدولي.

السبل القانونية المتاحة أمام السويداء: محدودية البدائل

رغم تصاعد الخطاب المطالب بالاستقلال، فإن السبل القانونية المتاحة للأقليات في السويداء تبقى محدودة ومعقدة بفعل الطبيعة الإقصائية للسلطة الدينية الحالية. ومن بين البدائل النظرية:

  1. الفدرلة الموسعة: يمكن أن توفر توزيعاً أوسع للسلطات المحلية، ما يمكّن الأقليات من ضمان تمثيل أكبر وتمتع بحقوق إدارية خاصة. إلا أن تحقيق هذا الخيار يرتبط بشكل مباشر باستعداد السلطة للتنازل عن سيطرتها المركزية، وبوجود دستور مدني ومحايد دينياً يحمي الحقوق المتساوية للأقليات ويحد من التأثير الطائفي في صياغة القوانين.
  2. اللامركزية السياسية الموسعة مع ضمانات دولية: قد تسمح هذه الآلية للأقليات بإدارة شؤونها المحلية مع توفير رقابة دولية على حقوق الإنسان. ومع ذلك، يظل نجاح هذا الخيار مشروطاً بإرادة دولية متماسكة ورغبة المجتمع الدولي في فرض آليات الرقابة والضمانات التنفيذية.
  3. الوصاية الأممية المحدودة أو الحماية الدولية المؤقتة: توفر هذه الآلية حماية خارج الإطار الوطني، وتضمن الحد الأدنى من الحقوق والحماية للأقليات. لكنها تتطلب تدخلاً دولياً مباشراً، وهو خيار يرتبط بمدى استعداد المجتمع الدولي للانخراط في إدارة شؤون محلية بشكل مؤقت، وبما لا يتعارض مع مبدأ السيادة الوطنية.

خاتمة: 

يخلص هذا المقال إلى أن التحول في خطاب السويداء من المطالبة بالمواطنة إلى طرح تقرير المصير يعكس أزمة دولة بنيوية ولا يمكن فهمه بوصفه نزعة انفصالية مسبقة، بل بوصفه نتيجة منطقية لتفكك الدولة وفشلها المستمر في حماية الأقليات وضمان الحد الأدنى من المساواة والأمن. كما يُظهر التحليل أن البدائل القانونية الأخرى—كالفدرلة أو اللامركزية أو الحماية الدولية—تبقى، في السياق السوري الراهن، خيارات نظرية محدودة القابلية للتطبيق بسبب الطبيعة الإقصائية للسلطة القائمة وغياب إرادة دولية فعّالة. وعليه، فإن طرح تقرير المصير، بما في ذلك سيناريو الانفصال العلاجي، يندرج ضمن إطار قانوني قابل للنقاش نظراً لحالة الضرورة، لا كغاية سياسية بحد ذاتها، بل كخيار أخير تسعى من خلاله جماعة مهددة إلى صون وجودها المادي وكرامتها الإنسانية في ظل انسداد الأفق الوطني.

كما يشير التحليل إلى أن طبيعة السلطة الحاكمة ذات الطابع الأيديولوجي المركزي تجعل من أي تسوية أو توافق مع الأقليات أمرًا محدود الأفق وقابلًا للانكفاء، إذ غالبًا ما يكون مشروطًا باعتبارات أمنية ظرفية، لا باعتراف بنيوي ومستدام بالحقوق المتساوية أو بالشراكة السياسية الفعلية.

وفي هذا الإطار، يقدّم هذا المقال تحليلاً لطبيعة السلطة القائمة في سوريا وانعكاساتها على الأقليات، ودورها في تفكيك بنية الدولة، دون أن يسعى إلى تفنيد حلول بعينها أو إقصاء بدائل محددة. ويفتح هذا التحليل المجال أمام جملة من الإشكاليات الجوهرية، من أبرزها: إلى أي مدى يستطيع المجتمع المحلي ضمان حقوقه ضمن الإطار القائم للدولة؟ وإلى أي حد يمكن للسلطة الحالية أن تتخلى عن مرجعيتها الأيديولوجية الدينية وأن تقرّ بمبادئ الديمقراطية وحقوق المواطنة المتساوية؟ كما يثير تساؤلات حول فرص نجاح أي خيار قانوني مطروح—بما في ذلك الانفصال العلاجي—في ظل غياب دعم دولي فعّال أو احتمال عدم نيل اعتراف دولي.

وفي هذا السياق، لا يُقدَّم الاستقلال بوصفه غاية أيديولوجية، بل كخيار أخير يُنظر إليه على أنه أقل خطورة من الاستمرار ضمن فضاء سياسي تعكس بنيته سلطة دينية استبعادية تهدد وجود الأقليات وحقوقها الأساسية. ويظل مستقبل أي من هذه الخيارات مرهونًا بتفاعل معقّد بين قواعد القانون الدولي، والقدرة المحلية على التنظيم المدني، وتوافر إرادة دولية حقيقية، فضلًا عن التعامل مع المخاطر الأمنية والسياسية والاقتصادية الملازمة لها.

وبذلك، يفتح هذا التحليل مجالًا لمواصلة النقاش الأكاديمي والعملي حول السبل الممكنة لتحويل حق تقرير المصير من خيار نظري إلى إطار عملي يوازن بين حماية الجماعات المحلية وقيود الواقع السياسي.

قائمة المراجع 

أولًا: المصادر الدولية وتقارير حقوق الإنسان

Amnesty International. “Syria: New Investigation Reveals Evidence Government and Affiliated Forces Extrajudicially Executed Dozens of Druze People in Suwayda.” September 2, 2025. Amnesty International.
https://www.amnesty.org/ar/latest/news/2025/09/syria-new-investigation-reveals-evidence-government-and-affiliated-forces-extrajudicially-executed-dozens-of-druze-people-in-suwayda/.

Human Rights Watch. سوريا: غياب المحاسبة على انتهاكات السويداء.” 15 يناير 2026. Human Rights Watch.
https://www.hrw.org/ar/news/2026/01/15/syria-accountability-lacking-for-sweida-abuses.

OHCHR (Office of the High Commissioner for Human Rights). سوريا: خبراء الأمم المتحدة يعربون عن قلقهم من الهجمات على المجتمعات الدرزية، بما في ذلك العنف الجنسي ضد النساء والفتيات.” 21 آب/أغسطس 2025.
https://www.ohchr.org/ar/press-releases/2025/08/syria-un-experts-alarmed-attacks-druze-communities-including-sexual-violence.

Syrian Justice and Accountability Centre. أدلة موثّقة تكشف انتهاكات حقوق الإنسان في السويداء.” 30 يوليو 2025. المركز السوري للعدالة والمساءلة.
https://ar.syriaaccountability.org/dl-mwthwq-tkshf-nthkt-hqwq-lnsn-fy-lswyd/.

United Nations, “Hate Speech and Real Harm,” United Nations: Understanding Hate Speech, accessed January 20, 2026, https://www.un.org/en/hate-speech/understanding-hate-speech/hate-speech-and-real-harm

Syrian Observatory for Human Rights, “التعليم في مهب التوترات الطائفية.. عودة مئات الطلاب إلى السويداء في ظل انعدام الأمان والصمت الحكومي,” SyriaHR.com, 8 مايو 2025, https://www.syriahr.com/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%87%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D8%A6%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9/760385/.

United Nations, “لجنة أممية: ‘مجازر وانتهاكات ترقى لجرائم حربفي الساحل السوري,” UN News Arabic, August 2025, https://news.un.org/ar/story/2025/08/1143190.

United Nations General Assembly, Declaration on the Granting of Independence to Colonial Countries and Peoples, Resolution 1514 (XV), adopted 14 December 1960, United Nations, https://docs.un.org/ar/A/Res/1514(XV)

Rome Statute of the International Criminal Court. 1998 (Article 7)

International Court of Justice, Accordance with International Law of the Unilateral Declaration of Independence by the Provisional Institutions of Self-Government of Kosovo (Request for Advisory Opinion), Written Contribution of the Authors of the Unilateral Declaration of Independence (Kosovo), 17 April 2009, at para. 8.41. See also International Court of Justice, Accordance with International Law of the Unilateral Declaration of Independence by the Provisional Institutions of Self-Government of Kosovo (Request for Advisory Opinion), Further Written Contribution of the Authors of the Unilateral Declaration of Independence (Kosovo), 17 July 2009, at para. 4.39. as cited in https://repository.tilburguniversity.edu/server/api/core/bitstreams/f28033fc-489a-4a00-923a-25e5ca102df3/content 

ثانيًا: الكتب والمراجع الأكاديمية

Ajjoub, Orwa. “HTS Is Not al-Qaeda, but It Is Still an Authoritarian Regime to Be Reckoned With.” Middle East Institute, June 24, 2021. https://www.mei.edu/publications/hts-not-al-qaeda-it-still-authoritarian-regime-be-reckoned.

Crawford, James. The Creation of States in International Law. Oxford: Oxford University Press, 2006.

Evans, Gareth. The Responsibility to Protect. Washington, DC: Brookings Institution, 2008.

Firro, Kais. A History of the Druzes. Leiden: Brill, 1992.

Gerth, Hans H., and C. Wright Mills. From Max Weber: Essays in Sociology. New York: Oxford University Press, 1946.

Kastrinou, A. Maria. Power, Sect and State in Syria: The Politics of Marriage and Identity amongst the Druze. London: Bloomsbury Publishing, 2016.

Mampilly, Zachariah. Rebel Rulers: Insurgent Governance and Civilian Life during War. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2011.

Tajfel, Henri, and John C. Turner. “The social identity theory of intergroup behavior.” In Political psychology, pp. 276-293. Psychology Press, 2004.

Sadeghi, Fatemeh. “Imagining the Future of Politics in Syria through the Constitution: Gender Exclusion and Transformative Pathways.” (2026).

Van den Driest, Simone F. “Remedial secession.” A right to external self-determination as a remedy to serious injustices (2013).

ثالثًا: المواد الصحفية

Einav Halabi, “‘Israel saved us from genocide’: Interview with Syrian Druze leader,” Ynet News, January 13, 2026, https://www.ynetnews.com/article/hjmretxbbl



للاقتباس

أبو عمار، م. (2026). السويداء: من المطالبة بالمواطنة إلى تقرير المصير. مجلة السويداء الفكرية الرقمية، 1(3)، https://doi.org/10.5281/zenodo.19398702

Show CommentsClose Comments

1 Comment

  • بواسطةHaitham.taleaa
    Posted مارس 3, 2026 9:20 ص 0Likes

    مقال جميل وبحث مهم
    بالتوفيق لهذه المجلة الرقمية والقائمين عليها . . اتمنى ان تحتوي مستقبلا مكتبة صوتية للمقالات والكتب لتسهل وصول المعلومة للمهتمين من كل الشرائح
    وانا جاهز لهذا الأمر كمبادرة شخصية

Leave a comment