موقع السويداء في الخارطة الجيوسياسية السورية بين العوامل المحلية والتوازنات الدولية
4. في ضوء تحليلكم للجغرافيا السياسية للجنوب السوري، كيف يمكن تفسير موقع السويداء ضمن الخارطة الجيوسياسية السورية باعتبار تداخل موقعها الجغرافي (القرب من الحدود الأردنية، الجولان، والبادية السورية) مع خصائصها الاجتماعية–المحلية، وعلاقته بالتوازنات الإقليمية والدولية التي تؤثر على هذا الفضاء؟
يمكن تناول موقع السويداء ضمن الخارطة الجيوسياسية السورية من خلال فهم تداخل عامل الجغرافيا مع اعتبارات القوى الإقليمية والدولية. فالسويداء تقع في الجنوب السوري، ضمن نطاق جغرافي يكتسب أهمية خاصة بحكم قربه من الحدود الأردنية ومنطقة الجولان، إضافة إلى ارتباطه بالبادية السورية، ما يجعلها نقطة تلاقي بين مسارات جغرافية متعددة تمتد نحو الداخل السوري من جهة، ونحو عمق إقليمي أوسع من جهة أخرى. هذا الموقع يمنحها قيمة استراتيجية لا ترتبط فقط بخصائصها المحلية، بل أيضاً بوظيفتها ضمن شبكة أوسع من التفاعلات الإقليمية.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم السويداء ليس فقط كمحافظة ذات طابع اجتماعي محلي، بل كجزء من فضاء جيوسياسي أوسع يتصل بتوازنات الجنوب السوري، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن الحدودي مع اعتبارات النفوذ الإقليمي. فالقرب من الحدود الأردنية ومنطقة الجولان، على وجه الخصوص، يضفي على هذه المنطقة حساسية إضافية، نظراً لارتباطها المباشر بمناطق تماس جيوسياسي بين أطراف إقليمية متعددة، الأمر الذي يجعلها عرضة للتأثر بالتحولات في موازين القوى في المنطقة.
وفي هذا السياق أيضا، لا يُمكن النظر إلى السويداء بمعزل عن البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، بل لا بد من تُفهم وضعها ضمن إطار أوسع يتضمن توازنات القوى في الجنوب السوري، ودور الفاعلين الإقليميين والدوليين في إدارة أو التأثير على هذه التوازنات. وعليه، فإن الحديث عن كونها منطقة عازلة أو منطقة ضغط يرتبط بطبيعة القراءة الاستراتيجية التي تتبناها الأطراف المختلفة، حيث يمكن أن تُفهم، في بعض المقاربات، كمساحة تساهم في تقليل الاحتكاك المباشر بين أطراف متنافسة، أو كمنطقة قابلة للتوظيف ضمن حسابات تفاوضية أوسع تتعلق بمستقبل سوريا وترتيب نفوذ القوى الفاعلة فيها.
أما فيما يتعلق بدور الولايات المتحدة وروسيا، فإن مقاربتهما للوضع في سوريا تعكس اختلافاً في الأولويات والأدوات، إلا أن كليهما يسهم بشكل أو بآخر في تشكيل الإطار العام للتوازنات التي تنعكس على الواقع المحلي، بما في ذلك مناطق مثل السويداء. ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن هذا الواقع يتشكل أيضاً بفعل عوامل داخلية سورية، تتعلق بالبنية الاجتماعية والسياسية المحلية، وتفاعلها مع الظروف العامة التي تمر بها سورية كدولة اليوم.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الوضع الخاص للسويداء هو نتاج تفاعل بين مستويين: مستوى خارجي يرتبط بتوازنات القوى الإقليمية والدولية، ومستوى داخلي يعكس الخصائص الاجتماعية والجغرافية المحلية. ومن خلال هذا التداخل، تتشكل طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه المنطقة ضمن السياق السوري الأوسع، سواء من حيث استقرارها الداخلي كدولة أو من حيث موقعها في الحسابات الجيوسياسية الإقليمية.
يرتبط فهم الواقع الراهن بما شهده العالم من تحولات كبرى خلال العقود الماضية، حيث يمكن الإشارة إلى أن أحداث السابع من أكتوبر لم تكن معزولة عن سياق تاريخي أوسع، بل جاءت ضمن مسار تراكمي من التحولات الإقليمية والدولية التي أعادت تشكيل موازين القوى. فقد ترتب على هذه الأحداث نتائج متعددة، من بينها إعادة تموضع بعض الفاعلين الإقليميين، وإعادة النظر في أدوار قوى كانت فاعلة في مراحل سابقة، سواء في لبنان أو في سوريا أو في الإقليم بشكل عام.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى ما يجري بوصفه امتدادًا لتحولات سابقة، شبيهة بتلك التي أعقبت أحداث الحادي عشر من أيلول، أو تلك التي رافقت صعود إدارة باراك أوباما وبداية الحرب على تنظيم داعش في عام 2014، حيث أدت كل مرحلة إلى إعادة تعريف الأولويات الاستراتيجية للقوى الدولية، وإلى إدخال تعديلات على أنماط التدخل والتوازن في المنطقة.
وعليه، فإن أية محاولة لفهم الاتجاهات المستقبلية لا يمكن أن تنفصل عن تحليل مسار التحول التاريخي الذي أوصلنا إلى الوضع الراهن. فالإجابة عن سؤال “إلى أين نحن ذاهبون” تقتضي بالضرورة العودة إلى سؤال “كيف وصلنا إلى هنا”، باعتبار أن التطورات الحالية ليست سوى نتيجة لتراكمات تاريخية وسياسية ممتدة عبر عقود، بل وربما عبر قرن كامل منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى.
ومن هذا المنظور، لا يمكن تفسير ما يحدث في المنطقة، بما في ذلك ما يتعلق بسوريا، بمعزل عن التفاعلات الدولية والتوافقات غير المباشرة بين القوى الفاعلة، حيث إن سوريا تُعد نقطة مركزية في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، لما تتمتع به من موقع استراتيجي يربط بين مناطق متعددة، ويجعلها محل اهتمام دائم من القوى الإقليمية والدولية.
كما أن الحديث عن التحولات الراهنة يقتضي الإشارة إلى أن النظام الدولي نفسه يعيش مرحلة انتقالية، تتداخل فيها مصالح قوى كبرى، وتتشكل فيها ملامح توازنات جديدة قد تستمر لفترات زمنية طويلة. ومن ثم، فإن فهم هذه التحولات يتطلب قراءة شاملة للتاريخ السياسي الحديث، بدءًا من ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، مرورًا باتفاقية سايكس–بيكو، وصولًا إلى التفاعلات الراهنة التي تعكس استمرار إعادة تشكيل الحدود والنفوذ في المنطقة.
وبناءً عليه، فإن هذه المقاربة التاريخية–التحليلية تتيح تقديم فهم أعمق للواقع الحالي، باعتبار أن ما نشهده اليوم ليس حدثًا منفصلًا، بل هو حلقة ضمن سلسلة طويلة من التحولات التي لا تزال آثارها ممتدة حتى الحاضر.
5. في ضوء تحليلكم لتداخل مصالح القوى الدولية والإقليمية في الجنوب السوري، كيف يمكن تفسير التصورات المطروحة بشأن موقع السويداء ضمن هذه الحسابات، ولا سيما فيما يتعلق بإمكانية توظيفها ضمن مناطق نفوذ أو ترتيبات أمنية غير مباشرة، في إطار سيناريوهات أوسع تتعلق بإعادة تشكيل التوازنات في سوريا والمنطقة؟
كما ذكرت سابقا لا يمكن التعامل مع وضع السويداء بمعزل عن الوضع الإقليمي العام وما تخطط له القوى الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة واسرائيل، فيما يتعلق بمستقبل المنطقة. فبحسب هذا الطرح، تُظهر السياسات الإسرائيلية حرصاً على أن يكون الجنوب السوري امتدداً لنفوذها الاستراتيجي، وليس فقط السويداء بوصفها منطقة ذات غالبية من الطائفة الدرزية، بل باعتبار موقعها الجيواستراتيجي ضمن فضاء يمتد من البحر المتوسط وصولًا إلى الخليج العربي.
ويُفهم من هذا التصور أن إسرائيل تسعى، في نهاية مسارات الصراع مع إيران، إلى تعزيز حضورها الإقليمي وتوسعه ضمن إطار مشروع أوسع، يُشار إليه أحيانًا بمفهوم “إسرائيل الكبرى”، سواء اتخذ هذا التمدد شكل مناطق عازلة، أو مناطق نفوذ، أو حتى كيانات محلية تتمتع بهامش من الاستقلال لكنها بكل الأحوال تبقى تحت وصاية أو تأثير إسرائيلي بشكل مباشر أو غير مباشر.
كما ويُطرح في هذا السياق أن القرار داخل سوريا لا يُعد قرارًا موحدًا أو مركزيًا بالكامل، بل هو نتيجة تداخل مصالح قوى متعددة ذات أهداف استراتيجية متباينة. فهناك، وفق هذا التصور، تباين واضح بين مصالح إسرائيل ومصالح قوى إقليمية أخرى مثل تركيا، حيث تسعى إسرائيل إلى إعادة تشكيل المنطقة على أسس طائفية ومذهبية تؤدي إلى تفتيت الكيانات الكبرى إلى وحدات أصغر، الأمر الذي من شأنه أن يُضعف البنى السياسية التقليدية ويخلق حالة من التوازن القائم على التنازع الداخلي بدل التماسك العام.
وفي المقابل، تسعى قوى أخرى مثل إيران إلى تحقيق مصالح مختلفة ترتبط بتوسيع النفوذ الإقليمي وتعزيز شبكات النفوذ المرتبطة بها أيديولوجيًا وسياسيًا، في حين تتبنى تركيا تصورًا يميل إلى دعم وحدة الدولة السورية ضمن إطار نفوذ سياسي وثقافي يتماشى مع توجهاتها الإقليمية. كذلك، فإن دولًا مثل السعودية بشكل خاص ودول الخليج عمومًا لا تتوافق بالضرورة مع مشاريع التفتيت، إذ تميل، وفق هذا الطرح، إلى تفضيل بقاء دول موحدة ومستقرة لتجنب نشوء كيانات أو مناطق غير مستقرة على حدودها، خاصة في امتدادها الشمالي المرتبط ببلاد الشام والعراق.
وعليه، فإن المنطقة الممتدة بين إيران والبحر المتوسط تُعد ساحة تداخل معقدة للمصالح الاستراتيجية، حيث تُقاس التوازنات وفق ميزان القوى بين الأطراف المتنافسة. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى مستقبل السويداء باعتباره مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمآلات هذه التوازنات الإقليمية والدولية، وليس كمسار مستقل بذاته.
وبناءً على ذلك، فإن مستقبل السويداء سيتحدد وفق السيناريوهات العامة التي قد تؤول إليها المنطقة. فإذا نجحت الولايات المتحدة واسرائيل في الدفع نحو إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، فقد يؤدي ذلك إلى اتجاهات تقسيمية تقوم على أسس طائفية ومناطقية، بحيث تُعاد هندسة الجغرافيا السياسية للمنطقة بما يتوافق مع توازنات جديدة تخدم مصلحة إسرائيل بشكل مباشر. ولهذا تسعى إسرائيل بكل الوسائل المتاحة لها لتعزيز وجودها في الجنوب السوري، بما في ذلك المناطق الممتدة نحو جنوب لبنان، مع العمل على خلق بيئة جيوسياسية محيطة بها تتسم بضعف الكيانات المحلية واعتمادها على الحماية الخارجية. ويُفهم من ذلك وجود تصورٌ لمنطقة عازلة أو شبه عازلة تتكون غالبًا من مكونات محلية متنوعة، يُعتقد أن الطائفة الدرزية في السويداء قد تشكل جزءًا منها، إلى جانب مناطق أخرى تمتد جغرافيًا نحو لبنان.
غير أن هذا التصور يظل، وفقا لهذا الطرح، مرتبطًا بإمكانية بناء كيانات محلية ضعيفة تعتمد على الدعم الخارجي، وهو ما يُطرح تاريخيًا تحت مسميات مختلفة مثل مشاريع إنشاء كيانات خاصة بالدروز، والتي لم يكتب لها النجاح في مراحل سابقة. ويرى هذا الاتجاه أن هذه المشاريع تواجه صعوبات بنيوية هي التي تحول دون تحققها، سواء في الماضي أو في المستقبل. كما وأن المرحلة الدولية الراهنة تشهد تحولات في موازين القوى، حيث يُعتقد أن النفوذ الأمريكي والإسرائيلي قد لا يكون في صعود مستمر، بل قد يواجه تحديات مرتبطة بتغير الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة، التي بدأت تركز بشكل متزايد على مواجهة توسع النفوذ الصيني، خاصة في مناطق آسيا الوسطى وغرب آسيا، وصولًا إلى أسواق في أفريقيا يُنظر إليها على أنها محورية في الاقتصاد العالمي المستقبلي، بما يشبه الدور الذي لعبته أوروبا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وبناءً على ذلك، يمكن الاستنتاج بأن مستقبل السويداء والمنطقة الجنوبية عمومًا سيبقى مرهونًا بتقاطع هذه التحولات الكبرى، وبمدى قدرة القوى الدولية والإقليمية على فرض رؤاها أو إعادة التكيف مع توازنات القوة المتغيرة في النظام الدولي. فإذا استطاعت إسرائيل والولايات المتحدة، كما تم الإشارة إليه، في حال نجاحهما في تحقيق أهدافهما الاستراتيجية، أن يدفعا باتجاه مسار يؤدي إلى إعادة تشكيل المنطقة، وهو ما قد يفضي إلى تقسيم سوريا على أسس طائفية ومناطقية. في هذا التصور، يُعاد رسم الفضاء الجيوسياسي بحيث تتشكل كيانات أو دويلات ذات طابع محلي أو طائفي، بحيث يكون لكل كيان طبيعته الخاصة، سواء كانت قائمة على أغلبية درزية أو على مكونات من أقليات أخرى، مع ملاحظة أن هذا النمط من التقسيم يفترض أن لا تكون الطائفة السنية هي القوة المسيطرة في هذه الكيانات.
ويُطرح هذا السيناريو باعتباره أحد الاحتمالات الممكنة ضمن مجموعة من السيناريوهات المتعددة، حيث إن لكل سيناريو فرصًا نسبية في النجاح أو الفشل، وهذه الفرص تتوقف على مجموعة من العوامل والمتغيرات التي تتبدل بشكل مستمر، بل يمكن القول إنها تتغير بصورة يومية. ومن بين هذه العوامل ما يرتبط بالمعطيات الاقتصادية، حيث يُلاحظ أن الوضع الاقتصادي العالمي يتجه نحو مزيد من التردي، وهو ما قد يشكل عنصر ضغط إضافي يؤثر على مسارات الأحداث في الشرق الأوسط، ويزيد من تعقيد التفاعلات الإقليمية والدولية.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار حالة التنافس والصراع بين القوى الكبرى، ولا سيما بين الولايات المتحدة من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى، ضمن إطار صراع ممتد قد يستمر إلى أن تصل الولايات المتحدة إلى مرحلة تصبح فيها غير قادرة اقتصاديًا على مواصلة إدارة هذا النوع من المواجهات. وفي هذا السياق، قد يتجه القرار السياسي الأمريكي، في حال وصوله إلى هذه النقطة، إلى إنهاء العمليات العسكرية، والإعلان عن تحقيق نوع من الانتصار وفقًا للرؤية السياسية الداخلية، ثم الانسحاب التدريجي من بعض مناطق النفوذ، مع ترك حلفائها، ومن ضمنهم اسرائيل، في وضع يتطلب منهم التعامل بشكل منفرد مع التحديات الإقليمية، وهو سيناريو يُعتبر محتملًا، بل قد يُنظر إليه من بعض التحليلات باعتباره أحد السيناريوهات المرجحة.
أما السيناريو الثالث، فيقوم على فرضية التفاهم أو التوافق بين القوى الكبرى، وتحديدًا بين الولايات المتحدة والصين، وربما في إطار أوسع يشمل أيضًا روسيا، بحيث يتم الوصول إلى نوع من الترتيبات أو التفاهمات التي تُعيد توزيع النفوذ والمصالح على المستوى العالمي. في هذا الإطار، قد يتم التوصل إلى مقايضات استراتيجية تتعلق بمناطق نفوذ مختلفة، مثل إيران مقابل قضايا أخرى كـتايوان وأوكرانيا، بما يسمح بإعادة تنظيم التوازنات الدولية بطريقة تتناسب مع مصالح الأقطاب الكبرى الثلاثة، ويكون للشرق الأوسط موقعه ضمن هذه المعادلة باعتباره منطقة عبور ذات أهمية جيوستراتيجية تربط بين آسيا وأوروبا وشمال أفريقيا.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى الموقع الجغرافي للشرق الأوسط باعتباره عاملًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا حاسمًا، نظرًا لكونه يشكل نقطة وصل بين القارات، وممرًا نحو البحر الأبيض المتوسط، ومنه إلى أوروبا الغربية والجنوبية، وكذلك نحو شمال أفريقيا والمحيطات. وبالتالي، فإن هذا الموقع يفرض نفسه كعامل أساسي في تحديد نتائج الصراعات الجارية، ويجعل من التوازنات الجيوسياسية والاقتصادية المحرك الرئيسي للسيناريوهات المحتملة في المنطقة.
وبغض النظر عن السيناريوهات الثلاثة المطروحة، يمكن الإشارة إلى وجود اتجاه عام يمكن استنتاجه من خلال قراءة الديناميكيات التاريخية والتطورات المستمرة، يتمثل في فكرة أن الزمن يسير نحو تحولات بنيوية في طبيعة الدول وأنماط الحكم. في هذا الإطار، يُطرح تصور مفاده أنه لا مستقبل طويل الأمد للدول ذات الطابع الديني الخالص، سواء كانت قائمة على أساس سني، أو شيعي، أو درزي، أو غيره، وذلك في ضوء التجارب التاريخية، خاصة في أوروبا، حيث أدى مسار طويل من التطور السياسي إلى الفصل بين الدين والدولة. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى نظام ولاية الفقيه في إيران باعتباره نموذجًا لدولة دينية قد تجاوزها الزمن، وقد يكون في مراحله الأخيرة ضمن هذا النمط من الدول، مع احتمال تراجعه أو تحوله مع تغير الظروف السياسية الإقليمية والدولية، بغض النظر عن السيناريو الذي قد يتحقق في المنطقة.
وبناءً على ذلك، يُستنتج أن الدول الدينية، بصرف النظر عن مرجعيتها المذهبية أو الطائفية، لا تمتلك مستقبلًا مستدامًا على المدى البعيد. كما أن الدول القائمة على أسس قومية صِرفة، سواء كانت عربية أو كردية أو غيرها، قد تواجه بدورها تحديات في الاستمرار، رغم أن التجربة الأوروبية كانت قد أظهرت أن الدول القومية استطاعت أن تصمد لفترات طويلة، لكنها في الوقت نفسه ساهمت في نشوء تحولات أدت إلى ظهور مفهوم الأمة كإطار أوسع وأكثر شمولًا.
وهنا يصبح من الضروري التمييز بين مفاهيم الدولة والأمة والوطن، باعتبارها مفاهيم متداخلة لكنها غير متطابقة، وهو ما يشير إلى أن تطور النظم السياسية في المستقبل قد يتجه نحو صيغ أكثر تعقيدًا تتجاوز النماذج التقليدية القائمة على أسس دينية أو قومية خالصة، في ظل التحولات المستمرة في البنية الدولية والنظام العالمي.
ثالثاً: السيناريوهات المستقبلية للسويداء
6. ما هي أبرز التطورات الممكنة في وضع السويداء خلال السنوات العشر القادمة، استنادًا إلى قراءتكم التاريخية والجيوسياسية لمسارات المنطقة، ومع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية موقعها الجغرافي وتركيبتها الاجتماعية وامتداداتها الإقليمية في ظل التحولات الإقليمية والدولية وتغير موازين القوى؟
لا بد من الإدراك هنا بأن الدروز، مثلهم مثل أية أقلية دينية أو طائفية أو حتى أقلية ذات بُعد قومي، قد وُجدوا تاريخيًا في هذه المنطقة ضمن سياقات مرتبطة بالسعي إلى الحماية والأمان، وهو ما يفسر، جزئيًا، تمركزهم في مناطق جبلية أو وعرة نسبيًا. وفي هذا السياق، تُستحضر مقولة منسوبة إلى الملا مصطفى البرزاني حين أشار إلى أن الأكراد في العراق كانوا يرون أن “ليس لهم أصدقاء سوى الجبال”، بما يعكس منطق اللجوء إلى التضاريس الطبيعية كوسيلة دفاعية في ظل الإحساس بالتهديد.
وبالعودة إلى الدروز في السويداء، فإن وجودهم في هذه المنطقة لا يُفهم بمعزل عن تاريخهم الأوسع. فقد استقروا في هذه المنطقة منذ قرون، حيث تُشير المعطيات التاريخية إلى موجات استقرار تعود إلى بدايات القرن الثامن عشر، ولا سيما بعد أحداث جبل لبنان المرتبطة بالصراعات بين القيسيين واليمنيين، ما أدى إلى انتقال مجموعات منهم إلى الجنوب السوري. ومع ذلك، فإن منطقة السويداء لم تكن خالية تماماً من السكان قبل وصول الدروز إليها، إنما كانت جزءًا من محيط بشري وجغرافي أوسع شهد تفاعلات سكانية متعددة عبر الزمن.
وعليه، فإن الدروز يُعتبرون جزءًا من محيط جغرافي متصل وليسوا كيانًا معزولًا عن بيئته الإقليمية. إذ يمتد حضورهم، تاريخيًا واجتماعيًا، ضمن فضاء جغرافي أوسع يشمل مناطق في البادية السورية، والامتدادات نحو البادية الأردنية، وأجزاء من البادية المرتبطة بالمجال السعودي، إضافة إلى امتدادات باتجاه الجولان ومناطق أخرى متصلة جغرافيًا. هذا الامتداد يجعل من وضعهم مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بما يحدث في محيطهم الإقليمي، بحيث تنعكس التحولات الكبرى في المنطقة عليهم بشكل مباشر أو غير مباشر.
ومن منظور تاريخي أوسع، فإن مفهوم الانتماء الوطني في هذه المنطقة لا يمكن فصله عن التجربة المشتركة التي جمعت مكونات اجتماعية وطائفية مختلفة في مواجهة الاستعمار، كما حدث خلال فترة الانتداب الفرنسي على سوريا، حيث شاركت مكونات متعددة في مقاومة الاستعمار ضمن إطار وطني جامع. وقد حافظت هذه الحركات، رغم تنوعها، على حدود جغرافية تشكلت في تلك المرحلة، والتي رسمها الاستعمار نفسه، دون أن تكون بالضرورة تعبيرًا عن حدود نهائية أو طبيعية للأوطان.
فالأوطان، وفق هذا التصور، لا تُبنى فقط على الحدود الجغرافية، بل على العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بين المواطنين، وعلى مستوى الشراكة والتكامل فيما بينهم. فالحدود قد تتغير عبر التاريخ، في حين أن مفهوم الوطن يرتبط بدرجة الترابط بين مكوناته البشرية. ومن هنا، فإن التكتلات الاقتصادية والعلاقات المشتركة بين المواطنين تُعد من العناصر الأساسية التي تساهم في بناء اللحمة الوطنية، وتشكيل ما يمكن تسميته برابطة الانتماء أو العصبية الاجتماعية، بالمعنى الذي تناوله ابن خلدون في تحليلاته للتجمعات البشرية.
وفي هذا الإطار، تُطرح مسؤولية الدولة في كونها معنية ببناء هذه الرابطة الوطنية، وتهيئة الظروف التي تجعل المواطنين قادرين على الدفاع عن وطنهم والانتماء إليه، ليس فقط قانونيًا، بل وجدانيًا واجتماعيًا أيضًا. كما أن مفهوم الوطنية يتجاوز الانتماءات الطائفية أو الدينية الضيقة، بحيث يشمل مختلف مكونات المجتمع، دون أن يعني ذلك إلغاء خصوصياتها، بل إدماجها ضمن إطار جامع.
انطلاقًا من ذلك، فإن الأحداث التي شهدتها السويداء في تموز 2025 تُفهم، وفق هذا الطرح، بأنها تأتي في سياق أوسع يتجاوز البعد المحلي والانتماء الديني المباشر، إذ تُفسَّر على أنها جزء من تفاعلات معقدة قد ترتبط باعتبارات استراتيجية أو حسابات إقليمية مدروسة. ويُنظر إلى بعض هذه التطورات باعتبارها عوامل قد تدفع نحو مزيد من التوتر والتناحر أو حتى إعادة تشكيل الاصطفافات المحلية، بما قد يخلق حالة من الانفصال أو التمايز في المواقف بين المكونات المختلفة في الوطن الواحد.
كما ويُشار إلى أن بعض التحالفات أو الاصطفافات التي تحدث في سياقات معينة قد تكون نتيجة ظروف ضاغطة أو اعتبارات أمنية، أكثر من كونها تعبيرًا عن خيارات دائمة أو ثابتة. ومن ثم، فإن التحولات في موازين القوى أو في الظروف الإقليمية قد تؤدي إلى تغيّر هذه الاصطفافات بمرور الوقت.
وفي المحصلة، فإن هذا الطرح يؤكد أن القضية لا تقتصر على فئة واحدة أو طائفة بعينها، بل تمتد لتشمل مختلف مكونات المجتمع في الجنوب السوري، بما في ذلك الدروز وغيرهم من الطوائف والمجموعات الاجتماعية. كما أن موقع هذه المكونات في فضاء جيوسياسي حساس يجعلها عرضة لتأثيرات التفاعلات الإقليمية والدولية، الأمر الذي ينعكس على طبيعة الأدوار التي قد تلعبها في المستقبل، وعلى مدى قدرتها على التكيف مع التحولات المستمرة في البيئة المحيطة بها.
7. في حال استمرار غياب تسوية سياسية شاملة في سوريا والمنطقة، ما هي أبرز الشروط الموضوعية والضرورية التي يمكن أن تضمن حدًا أدنى من الاستقرار الأمني والتوازن الاقتصادي في السويداء، في ضوء دور العوامل الداخلية المرتبطة ببنية الدولة والمجتمع، والتفاعلات الإقليمية والدولية المحيطة؟
بداية لا بد من القول بأنه يجب عدم تجاهل دور الشعوب في معادلات التغيير والصيرورة، لأن الشعوب أصبحت اليوم عنصرًا حاسمًا لا يمكن تجاوزه، وقد ثبت ذلك من خلال أحداث الربيع العربي، كما يتأكد ذلك يوما بعد يوم في الحركات الشبابية العالمية الراهنة، حيث يخرج الطلاب في العديد من الدول في مظاهرات دعمًا للقضية الفلسطينية، ويطالبون بإنهاء الوضع القائم والحد من سياسات إسرائيل وتغولها. وهذا يدل على أن العالم بأسره مقبل على تحولات وتغيرات عميقة.
وفي هذا السياق، من الضروري أيضا أن يلتزم المفكرون والمثقفون بالموضوعية والمهنية وامتلاك الرؤية المستقبلية، وأن يتمسكوا بمبدأ فصل الدين عن الدولة، إكراما للدين وحفاظا على الدولة كما حصل في أوروبا والولايات المتحدة من قبل. وفي الحالة السورية، لا بد من إعادة بناء الدولة عبر السعي نحو تأسيس دستور دائم يكرّس هذا الفصل، ويؤسس لقيام نظام لا يقوم على منطق الأقليات والأكثريات، إذ لا يمكن لأي مكون وطني القبول بأن يُعرّف كأقلية في وطنه ضمن إطار لا يحقق المساواة الحقيقية بين جميع المواطنين. لذلك، فإن المطلوب هو توافق شعبي واسع لصياغة مشروع دستوري حديث وعصري ينسجم مع التحولات العالمية، ويضمن تمثيل مصالح جميع أبناء الوطن دون تمييز.
ومن جهة أخرى، يمكن الإشارة إلى أن العالم يشهد تغيرات استراتيجية مهمة، ما يستدعي إعادة النظر في السياسات الدولية التقليدية، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. فالنموذج الاستراتيجي الذي ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم يعد ملائمًا للمعطيات الحالية، في ظل بروز قوى دولية جديدة وتراجع أحادية القطب. وقد أصبح من الضروري أن تعيد الولايات المتحدة تقييم أولوياتها، بحيث تنتقل من التركيز التقليدي على أوروبا إلى اعتبار الشرق الأوسط منطقة جيوستراتيجية محورية، لكونه يشكل نقطة تقاطع بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وممرًا حيويًا للتوازنات الدولية.
وفي هذا الإطار، يُفترض أن تعتمد الولايات المتحدة على مقاربة شاملة تقوم على التعامل مع الشرق الأوسط ككتلة إستراتيجية واحدة، بدلا من العمل على تجزئته إلى كيانات متفرقة قائمة على أسس طائفية وإثنية. كما ويتطلب ذلك العمل على دمج مختلف مكونات المنطقة ضمن إطار إقليمي متكامل، بما في ذلك إدماج إسرائيل في البيئة الإقليمية بشكل يساهم في تحقيق الاستقرار، بدلا من أن تبقى عنصر توتر دائم يضر بالمنطقة وبمصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية فيها. ولهذا لا بد للولايات المتحدة إذا ما أرادت أن تحقق موقعا متقدما على منافسها الجيواستراتيجي، الصين، أن تعمل على دفع إسرائيل إلى تغيير واقعها كي يتأقلم مع محيطيها، وليس العكس. وأن تنهي الحرب مع إيران على قاعدة استراتيجية تعيد ترتيبات الحكم فيها، وتتعامل معها على أنها دولة محورية شريكة في الشرق الأوسط. فهي البوابة التي تحتاجها الولايات المتحدة في العبور إلى الصين وروسيا عبر جنوب شرق أسيا وأسيا الوسطى.
وتتطلب هذه الرؤية الاستراتيجية للولايات المتحدة أيضًا إعادة بناء علاقة الشراكة الاستراتيجية مع دول محورية أخرى في المنطقة، مثل تركيا بوصفها بوابة الشرق الأوسط إلى أوروبا. وكذلك مع مصر بوصفها بوابة الدخول إلى أفريقيا التي تحاول الصين السيطرة الاقتصادية والتجارية عليها. وكذلك لا بد للولايات المتحدة أن تولي دول الخليج واليمن أهمية في هذه الشراكة الاستراتيجية بوصفها نقاط اتصال بالمحيط الهندي والبحار المفتوحة. كما وأن استقرار المنطقة الممتدة بين إيران والبحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك العراق وسوريا، يُعد عنصرًا أساسيًا في أي توازن استراتيجي مستقبلي.
غير أن نجاح أي مشروع استراتيجي لا يمكن أن يتحقق دون مراعاة وضع الشعوب، إذ أثبتت التجارب أن إغفال دور الشعوب يؤدي إلى فشل السياسات مهما كانت قوتها. وقد أظهرت دراسات مراكز بحثية متخصصة بأن أية استراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط لن تنجح إذا لم تأخذ بعين الاعتبار الديناميات الاجتماعية والشعبية، وستكون محدودة الفاعلية. لذلك، فإن أي توجه مستقبلي يجب أن يدمج بين المصالح الاستراتيجية للدول واحترام تطلعات الشعوب.
كما وتواجه الولايات المتحدة تحديات داخلية متزايدة، تتمثل في تصاعد الانقسام السياسي والاجتماعي، وازدياد النزعات الانعزالية، وهو ما قد يؤثر على قدرتها في الحفاظ على دورها العالمي التقليدي. كما أن التحولات الاقتصادية العالمية، بما في ذلك التحول في مصادر الطاقة والانتقال نحو الطاقة البديلة، قد تؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية الدولية، خاصة في ظل تراجع الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للطاقة.
وفي هذا الإطار، يُلاحظ أن الاقتصاد يبقى العامل الحاسم في تحديد مآلات الصراعات الدولية، أكثر من القوة العسكرية. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن القوى الكبرى قد تواجه تحديات أو تراجعًا عندما تتعرض منظوماتها الاقتصادية للضغط. ومع استمرار التحولات في أنظمة الطاقة والتجارة العالمية، يصبح من المتوقع حدوث تغييرات في بنية النظام الدولي.
وأخيرًا، لا يمكن إغفال التحديات العالمية المشتركة التي تتجاوز النزاعات السياسية والعسكرية للدول المتصارعة، مثل التغير المناخي، وانتشار الأوبئة، والتي تشكل تهديدًا حقيقيًا للبشرية جمعاء. هذه التحديات تتطلب تعاونًا دوليًا واسعًا وجديا بين القوى الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة والصين وروسيا، من أجل وضع استراتيجيات مشتركة تهدف إلى حماية كوكب الأرض وضمان مستقبل البشرية.
خاتمة تحريرية
تأتي هذه المقابلة في سياق النقاشات المتزايدة حول التحولات الإقليمية والدولية، حيث قدّم الضيف قراءة شاملة ومتشعبة لمجموعة من القضايا المرتبطة بمستقبل الشرق الأوسط، والتوازنات الدولية، ودور الشعوب، إلى جانب التحولات الاقتصادية والاستراتيجية التي تعيد تشكيل ملامح النظام العالمي.
وفي هذا السياق، عكست المقابلة رؤية تحليلية مفتوحة على عدة سيناريوهات، دون الجزم باتجاه واحد، وهو ما يتيح للقارئ مساحة أوسع للتفكير النقدي وإعادة تقييم الفرضيات المطروحة. كما أبرزت المقابلة أهمية النظر إلى القضايا الإقليمية ضمن سياقاتها الأوسع، بما يشمل التداخل بين المحلي والإقليمي والدولي، وأثر ذلك على مستقبل الاستقرار وإعادة تشكل التحالفات والنماذج السياسية.
وتؤكد المجلة من خلال نشر هذه المادة التزامها بالحياد التحريري، وحرصها على إتاحة المجال أمام مختلف وجهات النظر والتحليلات، دون تبنّي موقف محدد، وإنما بهدف فتح باب النقاش العلمي والمعرفي أمام الباحثين والمهتمين. وفي هذا الإطار، تُعد هذه المقابلة مادة قابلة للاقتباس ضمن السياقات البحثية، شريطة الإشارة إلى مصدرها، كما تشكل إضافة معرفية يمكن البناء عليها في دراسات ومقاربات لاحقة.

