في رحلة البحث عن تاريخ الدروز “بنو معروف” الموحدون، أجدني أمام تاريخ عظيم متجذر في عمق الأرض، ليس فقط كلاماً مصفوفاً على أوراق المجلدات والكتب التاريخية والوثائق الأرشيفية الرسمية المكتوبة فقط، إنما عبر الحكايات المسموعة المتداولة والمتوارثة، توثق الإرث التاريخي الثقافي والاجتماعي والسياسي لهذه الفئة من الناس والمنطقة الجغرافية بعينها.
هذا التاريخ هو دليل على أن الإنسان الجبلي الأصيل مكون أساسي من هذه الأرض، بالإضافة إلى أن أرض الجبل عبر التاريخ كانت مسرحاً مهماً وفارقاً في الحروب والصراعات الداخلية والخارجية.
في ما يلي أهم مفاصل الكتاب كما وصلتني كقارئ:
أصول القبيلة
- نسب بنو معروف وعلاقاتهم بالقبائل الدرزية تاريخياً.
- توزيعهم الجغرافي وعلاقاتهم القبلية.
يبدأ النجار بتحديد نسب بنو معروف وأصولهم، ويعرض طبيعة انخراطهم مع القبائل الدرزية في المنطقة، علاقتهم بجيرانهم، وأدوارهم القبلية عبر التاريخ، محدثاً عن النشأة والجذور (الهجرات الكبرى)، بداية ونشأة الدعوة خلال العصر العباسي والفاطمي بالتحديد، مفصلاً عن ذلك العصر سياسته وجغرافيته وتاريخه.
يتتبع النجار تاريخ انتقال الدروز من لبنان (وادي التيم والشوف) إلى جبل حوران، يوضح أن الهجرة لم تكن صدفة، بل كانت نتيجة ضغوط سياسية ونزاعات إقطاعية (مثل الصراع بين القيسية واليمنية)، والبحث عن أرض بكر توفر لهم الاستقلال الذاتي والأمان.
يوضح المؤلف أصل قبيلة بنو معروف وعلاقتها بالقبائل الدرزية، ويعرض الكتاب التوزع الجغرافي للأفراد، والصلات العائلية والاجتماعية بين القبائل، ويسلط الضوء على التقاليد القبلية وأثرها على العلاقات الداخلية والخارجية. يقدم وصفاً لطبيعة المجتمع الجبلي، وعلاقاته مع المناطق المجاورة، وتأثير البيئة الجغرافية على نمط حياتهم.
يربط الكتاب بين تاريخ الدروز في لبنان وتاريخهم في حوران، موضحاً الهجرات والروابط المشتركة، والتنظيم الاجتماعي والطبقي، ويركز على “البنية العائلية” في الجبل، وكيف تحكمت العائلات الكبرى (مثل آل الأطرش، آل عامر، آل الهنيدي وغيرهم) في موازين القوى. يشرح النجار نظام “المشيخة” وكيفية إدارة القرى، حيث كان المجتمع يعتمد على التكافل الاجتماعي الملحوظ، والالتزام بـ”العادات المعروفية” الصارمة التي كانت تحل محل القوانين المدنية في ذلك الوقت.
”في زمن الحمدانيين سراً وبعدهم جهراً. وفي بلاد الشام، وكان فيمن أقبل عليه الامراء التنوخيون الذين نزحوا اليها من العراق وكانوا من الباطنية. وتقلص ظله عن مصر وبعض الاقطار التي كان يملكها الفاطميون، بعد الحاكم المنصور الفاطمي. هذا وان الاضطهاد الذي صاروا يخشونه قادهم إلى التشديد في الكتمان.
ومنهم سكان جبل حوران المسمى جبل الدروز بعد حلولهم فيه، ونحن في صدد الكلام عنهم خاصة.
وآخر كلمة لنا عن هذه الطائفة هي: ان تسميتهم دروز خطأ، فذلك يحصرهم في اتباع (الدرزي)، وقد دعا كثيرون غيره إلى التوحيد في جميع البلاد التي دانت للخليفة المنصور مساعد هذا المذهب على الظهور؛ ومن الثابت لدينا اذا صحت المصادر ان هذه التسمية ضربت بينهم وبين سائر ابناء مذهبهم في كثير من الجهات حتى غمرتهم موجات السواد الاعظم في الاسلام. ولننتقل الآن الى بني معروف في حوران.” (ص٥٢)
التحولات التاريخية
- تأثير الحكم العثماني والاحتلال الفرنسي على السلطة المحلية.
- مقاومة المجتمع المحلي للتدخلات الخارجية.
- تطور البنية الاجتماعية والسياسية.
يستعرض عبدالله النجار تطور التركيبة الاجتماعية والسياسية في السويداء في المرحلة العثمانية وما بعدها، بما في ذلك مقاومة القوى الخارجية مثل الاحتلال والسلطات المركزية، وتحولات السلطة المحلية داخل المجتمع الدرزي. يركّز الكاتب على الفترة العثمانية وما بعد الحرب العالمية الأولى.
يفصل النجار في العلاقة بين بنو معروف مع السلطة (العثمانيين والانتداب)، التي كانت متوترة غالباً مع السلطة العثمانية، يوثق محاولات العثمانيين فرض الضرائب والتجنيد الإجباري، وكيف واجه سكان الجبل ذلك بالتمرد والاعتصام في مناطق “اللجاة” الوعرة. كما يمهد الكتاب للوعي السياسي الذي سبق الثورة السورية الكبرى، مبيناً اعتزاز أهل الجبل باستقلالهم المحلي، ويوضح كيف تأثرت بنية السلطة المحلية بتغير السياسات العثمانية ثم الاحتلال الفرنسي، ويناقش مقاومة المجتمع المحلي للتدخلات الخارجية.
وفي حين يعتمد المؤلف منهجاً تاريخياً تحليلياً، إلا أنه يُلاحظ اعتماده الملحوظ على المصادر الشفهية وسجلات العائلات، مما قد يؤثر أحياناً على دقة التواريخ أو يفتح باباً للتأويل العشائري، وهو ما يستدعي مضاهاة هذه الروايات بمصادر وثائقية معاصرة.
دور بني معروف في النضال والمقاومة
- دور القبيلة في مواجهة الاحتلال الفرنسي.
- أبرز الشخصيات القيادية.
- مساهمتهم العسكرية والسياسية.
يُعطي النجار سرداً لأدوار بنو معروف في مواجهة الاحتلال الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى، ودورهم في الثورة السورية، مع إبراز شخصيات مؤثرة منهم في النضال والقيادة المحلية، مبرزاً دور بنو معروف في النضال والمقاومة، حيث يسرد مساهمة القبيلة في مواجهة الاحتلال الفرنسي، بما في ذلك ثورات محلية ومقاومة القوات الأجنبية، ويبرز الشخصيات البارزة في النضال السياسي والعسكري من بني معروف، ويركز على البطولات والإنجازات، مع احتمال المبالغة في تصوير الدور القبلي مقارنة بالمجموعات الأخرى، لكنه يعكس الإرث الشعبي المتداول.
موضحاً دور بنو معروف في النضال والمقاومة، ومشاركتهم في مواجهة الاحتلال الفرنسي، والشخصيات القيادية فيهم، مع الإحاطة بالدور العسكري والسياسي للطائفة، واضعاً الحكم في الجبل ضمن نطاقين هما الحكم النظامي والحكم العشائري.
”وقد نظم اكثر منظوماته في منفاه (الاناضول).
فكان يبعث بها الى عشيرته فيهيج هائجها ويموج مائجها. فليس فضولاً اثباتنا مقاطع منها في هذا الكتاب، وهي التي أثارت حروباً وشنت غارات، بل انها هي التي هذبت من خشونتهم ونورت من اذهانهم. وليس عندهم من الآثار الادبية شيء سواها يستحقى الذكر.
وها نحن أولا نروي بضعة ابيات مختارة متقطعة من بضع قصائد، ورب قصيدة انافت على مئتي بيت:
تنبه القاري إلى اصول قراءة الزجل، فالهاء متى كانت ضميراً متصلا تلفظ واواً ساكنة، وتكتب كذلك احياناً أو تلفظ ها.
ساكنة كتاء التأنيث مع فتح ما قبلها، كما ان اواخر الكلم يغلب لفظها ساكنة واوائلها احيانا، والزجل البدوي له قراءة خاصة فخمة، كان تقلل من تحريك الشفتين جهدك، وتعتمد على تبرات الصوت وخروجه من الصدر شديداً، وأن تلفظ القاف جيما مصرية مفخمة، والكاف احياناً كتاء ساكنة فشين، اما الجيم البدوية المعروفة.
قال من اخلاقيته الكبرى:
لاشك درب الكذب عار على الفتى
من خاس حكيو بالرجال يخيس
وصى النبي بالجار من دور آدم
وحبي كلام الغانمين نفيس عرض
الفتى مثل القزاز اذا انشعر
فاحرص على عرضك من التدنيس
اياك سيفك ان يفارق وسادتك
وخليك فرز من الرجال حريس ترى عدوك ما يخلي عداوته.” (النجار ص١٨٧-١٨٦)
البعد الاجتماعي والثقافي
- الأعراف والعادات.
- النظام القبلي ودور المرأة.
- العلاقات بين الطوائف والحفاظ على التماسك الاجتماعي.
يتناول الكتاب عادات وتقاليد المجتمع المحلي في السويداء، بما في ذلك الأعراف القبلية، النظام الاجتماعي، العلاقات بين الطوائف، ودور القبيلة في الحفاظ على التماسك الاجتماعي تحت الضغوط التاريخية المختلفة، ويوضح التقاليد والعادات الاجتماعية في الجبل، متحدثاً عن الهوية والقيم (الفروسية والضيافة).
يخصص النجار حيزاً مهماً لوصف “الشخصية المعروفية”.
”انهم شعث ابناء الجبال من العشائر الخشنة، غير انهم رقيق والحواشي ناعمو الملمس، ومتى الفيت عضدك على مائدهم الوثيرة المزركشة، وتمتعت في مضافاتهم برفهنياتها، شعرت بحرارة قلوبهم وترحيبها الذي تهمس به (خيمة ابراهيم).
إلا انه متى سلت سيوفهم من الاعماد كان الضارب بها أصلب.
اشارة الى أساطير التوراة والضيافة التي اشتهرت بها شعوب الشرق القديمة.” (النجار ص١٦٨)
آداب المضافة التي تعتبر مركز القرار السياسي والاجتماعي، الفروسية ودور السلاح في حياة الرجل الدرزي كرمز للكرامة والدفاع عن الأرض، المرأة ودورها في المجتمع وحقوقها ومكانتها في الحفاظ على التقاليد، مبيناً كيف ساعدت هذه البنية على الحفاظ على تماسك المجتمع تحت الضغوط التاريخية المختلفة.
الكتاب غني بالوصف الثقافي، معتمداً على ملاحظات النجار الشخصية، والسجلات العائلية والمصادر الشفهية، لذلك يجب مقارنته بمصادر أخرى عند دراسة البنية الاجتماعية.
يشرح النجار كيف أثرت تضاريس جبل حوران البركانية (الحجارة البازلتية والمغاور) في تشكيل عقلية “المقاتل” لدى بني معروف، وكيف استثمروا هذه الطبيعة القاسية لتكون حصناً منيعاً ضد الغزوات الخارجية، مما منحهم خصوصية عسكرية وتاريخية أثرت في تكوين بنيتهم على مر الزمان.
اتبع الكاتب منهج تاريخي تحليلي اجتماعي، مع سرد للأحداث والمواقف المحلية، قد يستفيد منه الباحث لمقارنة البنى القبلية وتأثيرها على التاريخ المحلي والسياسة والمقاومة، لأن النجار يعتمد إسناد الأحداث إلى مصادر ومراجع تاريخية متاحة في عصره.
يعالج النص الأحداث من منظور مجتمعي وإثني أكثر منه مجرد سرد سياسي، مبيناً كيف ساهم التاريخ الطائفي والقبلي في تشكيل الوعي والمواقف لدى أهل الجبل، ويبرز دور القبيلة كمرجع أساسي في البنية السياسية والاجتماعية لجبل حوران عبر مراحل تاريخية متعاقبة.
يرى المؤلف أن بنو معروف كانوا من الفئات الفاعلة في مقاومة الاحتلال، مع المحافظة على حريتهم السياسية والثقافية والاجتماعية ضمن نطاق الجبل.
أرى الكتاب مرجعاً لدراسة التركيب القبلي والإثني، ويشكل إضافة في مجال الدراسات الاجتماعية التاريخية لبلاد الشام.
يعتمد على المنهج التاريخي والاجتماعي والقبلي أكثر من السياسة، مسلطاً الضوء على مقاومة الاحتلال برؤية فريدة مستنداً على خليط من المصادر الشفهية، سجلات العائلات، والمراجع التاريخية المحدودة، وبعض المصادر الوثائقية الحديثة.
وهذا ربما احتمال للتحيز والمبالغة في تقدير دور الدروز مقارنة بالمكونات الأخرى.
تجدر الإشارة إلى أن النسخة المتاحة من الكتاب هي طبعة قديمة، قد تفتقر إلى التدقيق اللغوي والنحوي الدقيق، مما يستوجب الانتباه عند الاقتباس المباشر.
المؤلف: عبد الله منصور النجار، وهو باحث ومؤرخ اهتم بتوثيق التراث والواقع الاجتماعي والسياسي للطائفة المعروفية.
الكتاب صادر عن المطبعة الحديثة، دمشق عام 1924.
يقع في ٢٢٤ صفحة.
يحتوي على مجموعة من الرسائل التي تعد وثائق مرفقة بصور وخرائط وقصائد للتوثيق.
مراجعة نادين الشاعر
20/4/2026

