Skip to content Skip to footer

الأمم المتحدة شريك في هدم النظام القانوني الدولي المتعلق بمكافحة الإرهاب. 

image_print


الدكتور المحامي: غياث الصفدي1

تمهيد

في أواخر تموز من العام الجاري، وصل أمين عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش إلى سوريا ، والتقى بأحمد الشرع وعدد من مسؤولي نظامه في دمشق، واصفاً المرحلة الانتقالية في سوريا بأنها فرصة لفتح فصل جديد، ومؤكداً أن الأمم المتحدة تقف إلى جانب الشعب السوري. وقد تزامنت هذه الزيارة مع ذكرى مرور سنة على المجازر الجماعية التي ارتكبتها قوات نظام الشرع في السويداء في تموز 2025، والتي وصفتها لجنة التحقيق الدولية بأنها انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وجرى ارتُكابها في سياق هجوم منهجي وواسع النطاق، راح ضحيته أكثر من 2000 مدني، وتسبب بإحراق وتدمير ممنهج لأكثر من 35 قرية في الريف الشمالي والغربي للسويداء، وما يزيد عن 150 ألف مهجّر. 

لم تكن زيارة غوتيريش إلى دمشق ولقائه بالشرع ومسؤوليه واقعة منفردة يمكن فصلها عن مسار إعادة إنتاج الشرعية القانونية والسياسية لتنظيم إرهابي مُدرج على لوائح الإرهاب الدولي. فقد سبقتها عدة خطوات تؤكّد الدلالة على أن منظومة الأمم المتحدة شريك أساسي في مسار تحويل الأيديولوجية الجهادية إلى فاعل سياسي. حيث جرى استقبال الشرع في مبنى الأمم المتحدة في نيويورك في أيلول 2025، وتقديمه في الإطار الدولي كفاعل سياسي. ولاحقاً، أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 2799 لعام 2025 والذي تضمن شطب اسم الشرع ووزير داخليته أنس خطّاب من قوائم العقوبات، واعتبار نظامه شريكاً في “مكافحة الإرهاب”. وهنا، بات واضحاً أن المسار التراكمي للإجراءات المؤسسية التي اتخذتها الأمم المتحدة وضعها في خانة الشريك المباشر ضمن عملية إعادة تأهيل زعيم تنظيم إرهابي، كان النظام الدولي نفسه قد صنّفه ضمن منظومة الإرهاب؛ الأمر الذي يتجاوز طرح التساؤلات عن الأسس المعيارية لمكافحة الإرهاب كسياسة قانونية دولية، إلى وضع نقاط استفهام متعددة حول شراكة الأمم المتحدة نفسها كمؤسسة دولية في التطبيع مع الإرهاب وتجاوز حقوق الضحايا. 

انهيار النظام القانوني الدولي تجاه مكافحة الإرهاب

التصوّر التقليدي لإشكالية تطبيق النظام القانوني الدولي،  مرتبط بغياب عنصر الإلزام وعجز المجتمع الدولي عن تطبيق القواعد القانونية المُتفق عليها، أو إخفاق مؤسساته في إنفاذ مبادئه. وهذه الإشكالية وإن كانت عميقة وجوهرية، إلا أنها تفترض ضمناً وجود مسافة بين القاعدة القانونية والمؤسسة التي تعجز عن تطبيقها. لكن الحالة الراهنة في سوريا تكشف مستوى أعمق من الخطورة والتعقيد، فالأمم المتحدة ومؤسساتها لم تعد عاجزة عن تحقيق عنصر الإلزام في القانون الدولي، بل أصبحت من خلال ممارساتها الحالية، شريكاً في إعادة إنتاج الواقع الذي يفترض أن تقاومه بالقانون. وهنا، انتقلت الأزمة من فشل إنفاذ القانون الدولي إلى أزمة مؤسساتية وظيفية للأمم المتحدة ذاتها، ستؤدي إلى انهيار نظام قانوني ثابت منذ عدة عقود. 

النظام القانوني الدولي الذي نتحدث عنه لم ينشأ كاستجابة ظرفية لحدث أمني أو سياسي واحد، وإنّما تشكل تراكمياً خلال سنوات من التطور المعياري والمؤسسي. ولم يعد مفهوماً اليوم كيف تعمل الأمم المتحدة على إفراغ هذا النظام من مضمونه. فمراجعة هذا النظام تبيّن منهجية متكاملة جرى تصميمها لمنع الجرائم الإرهابية وتجفيف مصادر تمويلها، وملاحقة مرتكبيها، ومنع توفير الملاذ الآمن لهم، وفرض التدابير المالية والسياسية عليهم، وحرمان التنظيمات الإرهابية من القدرة على الحركة والتجنيد والتمويل والتوسع. وبالتالي، فإن أي تغيير في سياسة التعامل الدولي مع زعيم منظمة إرهابية كان خاضعاً لهذه المنظومة؛ لم يعد بالإمكان النظر إليه كمجرد تغيير بسيط في موقف سياسي، لأن هذا التحول قد أصاب البنية المعيارية التي راكمها المجتمع الدولي لمواجهة واحدة من أخطر الجرائم التي تهدد الأمن والسلم الدوليين. 

على الرغم من الجدل القانوني المتعلق بتعريف موحّد لجريمة الإرهاب دولياً، فقد اعتمدت المنظومة القانونية الدولية على طبيعة الأفعال الجرمية التي تدخل ضمن التصنيف القانوني لفعل الإرهاب نفسه، وهو ما يتضح من خلال مراجعة العديد من الاتفاقيات الدولية والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن في هذا الخصوص. وبالتالي، فإن تصنيف فعل أو منظمة أو شخص ما على أنه إرهابي لا يرتبط بالجانب النظري بقدر ما يرتبط بالأفعال والجرائم المُرتكبة. وهو ما أصبح واضحاً بشكل لا لبس فيه من خلال نظام العقوبات الأممي المُنشأ بموجب القرارين 1267 (1999) و1989 (2011) وما تلاهما من تعديلات. فلا ينبغي فهم هذا النظام على أنه مجرد قائمة أسماء، إنما يشكل الإدراج على قوائم مجلس الأمن وضعاً قانونياً دولياً، وينتج آثاراً عملية ومؤسسية واسعة، ويعكس حكماً مؤسسياً من جانب مجلس الأمن بأن الشخص أو الكيان المعني يقع ضمن نطاق النظام العقابي الذي أنشأه المجلس، والذي جرى تعزيزه لاحقاً من خلال سلسلة واسعة من قرارات مجلس الأمن، بما فيها القرارات 1540 (2004) و1566 (2004) و1624 (2005) و2170 (2014) و2178 (2014) وغيرها، والتي تناولت جوانب مختلفة من مكافحة الإرهاب، بما في ذلك منع التحريض على الأعمال الإرهابية، ومواجهة المقاتلين الإرهابيين الأجانب، وتجفيف مصادر التمويل، ومنع التجنيد، ومنع توفير الدعم أو الملاذ للجماعات الإرهابية، وتعزيز التعاون الدولي.

تكتسب هذه المسألة أهمية كبيرة بالنظر إلى القواعد القانونية التي تحظر التقادم في الجرائم الإرهابية ضمن مسار المحاسبة الجنائية عن هذه الجرائم. فعملية إدماج زعيم منظمة إرهابية في المجال الدبلوماسي والسياسي الدولي لم تتخطى البنية المعيارية للنظام القانوني الدولي المتعلق بمكافحة الإرهاب وحسب، بل تخطت أيضاً عملية المساءلة الجنائية. لا سيما وأن التراكم المعياري للقانون الدولي قد وضع حدوداً ثابتة للتعامل مع الإرهاب بصورة مختلفة عن التعامل مع أي حركة سياسية عادية. ولا يمكن بموجب معايير القانون الدولي أن يُنظر إلى الإرهاب والمنظمات الإرهابية على أنها خصوم سياسية، وإنما باعتبارها كيانات إجرامية خاضعة للقيود المالية والأمنية ويجب محاسبتها أمام القضاء الجنائي. 

أما حالياً، تعمل الأمم المتحدة ومؤسساتها كشركاء رئيسيين في انتهاك أحدى أبرز قواعد القانون الدولي والتي تحظر تحويل العنف الإرهابي إلى وسيلة لإنتاج المكاسب السياسية. فالنظام الدولي الذي يفرض العقوبات والعزل على زعيم منظمة إرهابي بسبب سلوكه الإجرامي، بات اليوم مُغيّباً أمام مسار إعادة دمج سياسي مرتبط بأجندات سياسية مصلحية بعيدة عن مفهوم العدالة الدولية. 

ما ينطبق على التوازنات الجيواستراتيجية الدولية لاينطبق على الأمم المتحدة

بعد عقود من التمسك بخطاب مكافحة الإرهاب كجزء من السياسية الاستراتيجية الخارجية الأمريكية، أعلنت ادارة الرئيس الأمريكي ترمب عن دعمها السياسي والدبلوماسي للشرع، واتخذت العديد من الخطوات السياسية والدبلوماسية حيال ذلك. بدأ هذا التغيير منذ وصول الشرع إلى دمشق، حين التقت به باربرا ليف مساعدة وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى، ووصفته حينها بأنه براغماتي، وجرى لاحقاً الإعلان عن رفع المكافأة التي رصدتها الولايات المتحدة مقابل أية معلومات حول الشرع ذاته. 

قد يكون هذا الأمر مفهوماً في حال التعمّق بالنهج السياسي الأمريكي القائم على البراغماتية، والمرتبط بمعايير المصلحة الجيوسياسية. فسوريا اليوم بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية هي بمثابة فرصة استراتيجية بعد عقود من الهيمنة الروسية والصينية خلال حكم نظام الأسد. لكن ما ينطبق على الولايات المتحدة الأمريكية من منظور السياسة الخارجية وتغيير المواقف تبعاً لمعايير المصلحة الجيوسياسية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينطبق على الأمم المتحدة، فهذه الأخيرة تعمل بموجب منظومة قانونية ثابتة لا يمكن تجاوزها. 

السؤال الرئيسي بخصوص مسار العمل المؤسساتي الذي اعتمدته الأمم المتحدة تجاه التطبيع مع زعيم منظمة إرهابية كالشرع يتعلق قانوناً بالمعايير التي شكلت أساساً لتصنيفه كذلك. وإذا  كان الإدراج في منظومة مكافحة الإرهاب قد استند إلى مجموعة من الوقائع والسلوكيات والارتباطات، فإن الانتقال إلى موقع سياسي دولي يفترض منطقياً، وجود أساس موضوعي يفسر هذا التحول. وهنا تظهر أهمية التمييز بين تغير السياسة وتغير المعيار. فمن الطبيعي أن تتغير السياسة الدولية تجاه الدول والجماعات، ومن الطبيعي أن يُعاد تقييم المخاطر مع تغير الظروف. لكن ما ليس طبيعياً هو أن يتغير مبدأ معياري قانوني بخصوص مكافحة الإرهاب، وبالشكل الذي ينتهك أبسط قواعد القانون الدولي والعدالة الدولية. 

بتاريخ 19 تموز من العام 2024، اعتمد مجلس الأمن قراره رقم 2744 الذي وضع مجموعة جديدة من الإجراءات للنظر في طلبات الشطب المقدمة من الأفراد أو الجماعات أو المؤسسات أو الكيانات المدرجة في قوائم لجان الجزاءات التي أنشأها مجلس الأمن، باستثناء قائمة لجنة الجزاءات المفروضة على تنظيم داعش الإرهابي وتنظيم القاعدة، والتي بقيت خاضعة لاختصاص مكتب أمين المظالم. حيث يختص هذا الأخير باستعراض طلبات الأفراد والجماعات والكيانات الذي يسعون لرفع أسمائهم من قائمة الجزاءات المفروضة على تنظيم داعش وتنظيم القاعدة، عملاً بمبدأ الاستقلال ومبدأ الحياد. ويتولى أمين المظالم جمع المعلومات والتحاور مع مقدم الطلب والدول والمنظمات المعنية بشأن هذا الطلب، ومن ثم يقدم تقريره إلى لجنة الجزاءات المفروضة على تنظيم داعش والقاعدة. وبناء على تحليل المعلومات المتاحة وملاحظات أمين المظالم، تقوم اللجنة بتحديد المبررات الرئيسية لكل طلب. ويتضمن تقرير اللجنة توصية من أمين المظالم نفسه بشأن الطلب. وبعد اتخاذ القرار، يتم تبليغ قرار اللجنة بشأن شطب الاسم إلى مقدم الطلب عبر أمين المظالم نفسه.

عملية الشطب مرتبطة بتحقق أولي يجريه أمين المظالم للتأكد من استيفاء شروط الشطب وفقاً لمعايير الإدارج الخاصة باللجنة ذاتها، والتي تشمل: المشاركة في تمويل أعمال أو أنشطة يقوم بها تنظيم القاعدة أو تنظيم داعش أو أي خلية أو جماعة مرتبطة بهما، أو جماعة منشقة أو متفرعة عنهما، أو التخطيط لهذه الأعمال أو الأنشطة أو تيسير القيام بها أو الإعداد لها أو ارتكابها، أو المشاركة في ذلك معهما أو باسمهما أو بالنيابة عنهما أو دعماً لهما؛ أو توريد الأسلحة وما يتصل بها من معدات إليهما أو بيعها لهما أو نقلها إليهما؛ أو التجنيد لحسابهما؛ أو تقديم أي أشكال أخرى من الدعم للأعمال أو الأنشطة التي يقوم بها تنظيم القاعدة وتنظيم داعش أو أي خلية أو جماعة مرتبطة بهما أو منشقة أو متفرعة عنهما.

تم تصميم عملية التحقق من المعلومات لإتاحة جمع أكبر قدر من المعلومات حول الشخص المطلوب شطب اسمه، وعملية التحقق تلك تحتاج إلى تعاون مع اللجنة وفريق الرصد من الخبراء والمعنيين من الدول أو الهيئات التابعة للأمم المتحدة. وقد تصل فترة التحقق هذه لأربعة أشهر تلي تقديم الطلب ويمكن تمديدها لشهرين إضافيين. وفي هذه المرحلة، يلتزم أمين المظالم بتيسير التواصل والحوار مع مقدم الطلب والدول ذات الصلة واللجنة وفريق الرصد، ويختص بإصدار تقرير يعرض القضية بشكل شامل بما يوجز المعلومات ليقدم من خلاله التوصيات. وتستعرض لجنة الجزاءات التقرير خلال 15 يوماً وتبت فيه خلال 30 يوماً ليصدر القرار بالشطب أو بعدم الشطب. 

ما سبق ذكره من تسلسل إجرائي لشطب الأسماء عن قائمة الجزاءات لم يكن واضحاً ولم يتسم بالشفافية المطلقة بخصوص قرار مجلس الأمن رقم 2799 لعام 2025. فصلاحية الشطب أو عدم الشطب مرتبطة بلجنة الجزاءات وأمين المظالم وفقاً لما حددته قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ولا يمكن أن تتم بدون التعاون مع فريق الرصد من الخبراء. وهو ما لم يتم الإفصاح عنه بخصوص شطب اسم ” أحمد الشرع” و” أنس خطاب” من القائمة. كما أن قرار مجلس الأمن الذي تضمن عملية الشطب، لم يتضمن الإشارة إلى القرار 2744 لعام 2024 أو القرار رقم 2610 لعام 2021، حيث تعتبر هذه القرارات أساساً قانونياً لإجراءات الإدراج والشطب عن قائمة الجزاءات. 

وفقاً للفقرات 63-83 من قرار مجلس الأمن رقم 2610 لعام 2021، وعملاً بالمبادئ التوجيهية للجنة الجزاءات، فإن طلب الشطب يجب أن يتضمن تفسيراً واضحاً بخصوص أن سبب إدراج الشخص لا يفي أو لم يعد يفي بمعايير الإدراج في القائمة المشار إليها سابقاً بخصوص النشاطات التي تشكل أساساً موضوعياً لعملية الإدراج. وبغض النظر عن عدم وضوح عملية التسلسل الإجرائي المرتبط بالإطار القانوني الخاص بعملية الشطب، فإن الأساس الموضوعي الذي تم الاستناد إليه لإجراء عملية شطب اسم ” أحمد الشرع” و “أنس خطّاب” من القائمة ليس متوافراً. فإذا أخذنا بعين الاعتبار ما تم ارتكابه في سوريا خلال السنة  التي تلت وصول الشرع إلى السلطة السياسية، سيتبين بوضوح أن أسباب الإدراج على قائمة الجزاءات لا تزال متوافرة ولا يوجد أي أساس موضوعي يبرر شطب الاسم. وهو ما تعززه مجموعة التقارير الصادرة عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا. 

في آذار من العام 2025 ارتكبت قوات نظام الشرع مجازر جماعية بحق مدنيين من الطائفة العلوية في الساحل السوري، وفي تموز من العام نفسه، هاجمت هذه القوات السويداء جنوباً وارتكب عناصرها جرائم إرهابية بحق المدنيين من الطائفة الدرزية شملت: الإعدام الميداني، وحرق المنازل، الاغتصاب، خطف المدنيين واحتجازهم، وتصفية ميدانية لأشخاص لا يشاركون مباشرة في الاعمال القتالية. وقد أصبح ثابتاً من خلال التقارير الحقوقية والتحقيق الذي أجرته لجنة التحقيق الدولية المستقلة أن منفذي الهجمات الإرهابية تلك، والذين ينتمون إلى تنظيمي داعش وجبهة النصرة، قد تلقوا أوامر مباشرة من قادة “السلطة الانتقالية” بمن فيهم الشرع ووزير داخليته ووزير دفاعه وغيرهم من القادة العسكريين والأمنيين؛ الأمر الذي يشير إلى مسؤولية مباشرة عن الجرائم الإرهابية التي جرى ارتكابها. 

بالاستناد إلى ما سبق، ينتفي الأساس الموضوعي والقانوني الذي يتيح عملية شطب الأسماء من قائمة الجزاءات المفروضة على تنظيم داعش والقاعدة، ولا تتسم عملية الشطب إجرائياً بأي شفافية لتوضيح الأسباب التي دعمت عملية الشطب هذه؛ الأمر الذي يؤكد بأن عملية الشطب هي عملية سياسية بحتة، ولغايات سياسية لا تتوافق مع القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن نفسه. 

خلاصة تحليلية:

في ظل الطبيعة الراديكالية لنظام الشرع، يبدو أن إعلان انطونيو غوتيريش حول الدعم الأممي للمرحلة الانتقالية في سوريا بات يتجاوز حدود الموقف الدبلوماسي تجاه “حكومة انتقالية”. فالمسألة تتصل اليوم بصورة النظام السياسي الذي يجري العمل على تأهيله، وبمدى اتساق هذا المسار مع المبادئ التي يفترض أن تحكم عمل الأمم المتحدة، ولا سيما حماية المدنيين، والمساءلة عن الانتهاكات الجسيمة، وعدم الإفلات من العقاب.  وتزداد خطورة هذا المسار في ضوء المؤشرات المرتبطة ببنية نظام الشرع نفسه. فالإعلان الدستوري الذي أصدره منح الشرع نفسه صلاحيات شبه مطلقة، وكرّس الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع، وأعاد إحياء منظومة الاستبداد السياسية القائمة على الإقصاء. وهو ما لا يدع مجالاً للشك بأن الإعلان عن تفكيك هيئة تحرير الشام إنما كان إعلاناً صورياً، في الوقت الذي يجري إعادة إنتاجها ضمن مؤسسات الدولة السورية؛ الأمر الذي يعني ولادة أفغانستان جديدة في الشرق الأدنى. 

تترتب على هذا المسار مجموعة من النتائج الاستراتيجية بعيدة المدى، أولها الانهيار التام لمصداقية منظومة القانون الدولي. فبموجب المسار الأممي الحالي، باتت الاعتبارات المصلحية الجيوسياسية قصيرة الأمد متقدمة على مبادئ المساءلة وحقوق الضحايا. وهو ما أدى لانهيار تام في مصداقية الأمم المتحدة ومؤسساتها، لا سيما أمام المجتمعات التي تعرضت للمجازر والانتهاكات على نحو مباشر. وربّما لن تكون الأمم المتحدة وأجهزتها قادرة بعد فترة من الزمن على تحديد من يجب تصنيفه كإرهابي ومن لا يجب تصنيفه كذلك بموجب معايير القانون الدولي ذاتها. 

في هذا السياق، فإن الأقليات والمكونات الدينية والإثنية التي طالبت طويلاً بالحماية الدولية والمساءلة تجاه الجرائم والمجازر التي تعرّضت لها، قد تستنتج من هذا المسار أن المؤسسات الدولية لم تعد قادرة أو راغبة في توفير الضمانات التي يفترض أن توفرها. وهذه النتيجة لن تبقى في نطاق فقدان الثقة السياسي، وإنما قد تتحول إلى سلوك أمني ومجتمعي، يتمثل في ازدياد اعتماد هذه المكونات على آليات الحماية الذاتية بدلاً من آليات الحماية الدولية. ففي الوقت الراهن، يتمسك الدروز بالدفاع المشروع عن أنفسهم في ظل دعم دولي مستمر لنظام الشرع بدلاً من المطالبة بمحاسبته. فالدور الأممي الحالي لا يمكن البتة تصنيفه ضمن خانة الحيادية، وإنما بات من خلال الاعتراف الوظيفي والتعاون المؤسسي والدعم السياسي؛  واحداً من أسباب تعزيز قدرة نظام الشرع على احتكار تمثيل الدولة. 

إن التحدي الحقيقي أمام الأمم المتحدة لا يتمثل في الاختيار بين الاستقرار أو الفوضى، وإنما في تحديد نوع الاستقرار الذي تسعى إلى إنتاجه. فاستقرار يقوم على دمج نظام إرهابي جهادي في مؤسسات الدولة من دون مساءلة، وعلى تهميش المكونات التي تعرضت للعنف، قد ينتج هدوءاً مؤقتاً، لكنه يحمل في داخله أسباب نزاع جديد أكثر عمقاً. 


  1. الدكتور المحامي غياث الصفدي، دكتور القانون الجنائي الدولي، محامٍ ومستشار قانوني في منظمة دروز نكسوس- الولايات المتحدة الأمريكية، وزميل المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية- لبنان. ↩︎

Show CommentsClose Comments

Leave a comment