Swaida Magazine Logo

الجيل المدان

مراجعة مجدي هندي العمار

خلال قراءتي لمذكّرات الأستاذ المرحوم منصور سلطان الأطرش, ضبطت نفسي عدّة مرّات متلبساً أتتبّع سيرة رجلٍ عظيمِ آخر يكاد يطغى حضوره على حضور صاحب المذكّرات نفسه. ومن عساه يكون هذا الرّجل العظيم إلّا سلطان باشا الأطرش والد منصور والقائد العام للثورة السورّية الكبرى.

بين ذكريات منصور من الطّفولة حتّى الشّباب يبرز سلطانُ مارداً تربّى في ظلّه منصور فتعلّم منه, ثم ما لبث أن انفرد ليبني شخصيّته الخاصة وفقاً لظروف زمانه. حيث تعلّم في أفضل المدارس والمعاهد والجامعات في عصره,درس العلوم السياسية في بيروت ثم سافر ليدرس القانون في فرنسا وعاد ليخوض غمار العمل السّياسي في أكثر أجواء السّياسة السّوريّة تعقيداُ.

تمرّد على قوانين الطّائفة, فتزوّج من خارجها ثم اختطَّ لنفسه نهجاً سياسيّاً ميّالاً للأخلاق ولكن نهجه هذا لم يشفع له عندما انقلب عليه رفاق الأمس فأودعوه السجن.

وبرغم نشاطه الكبير و دوره المهم في التاريخ السّياسيّ السّوريّ ومواقفه الأخلاقية و إخلاصه للحزب الذي انتمى له, بقيت أكثر الصفات التي يشار إليه بها “ابن سلطان باشا”.

كتاب الجيل المدان من أوراق منصور سلطان الأطرش إعداد ابنته ريم منصور الأطرش الواقع في 499 صفحة, صدرت طبعته الأولى عن دار الريّس للكتب والنشر في شباط 2008.

تستبق معدّة الكتاب السيّدة ريم منصور الأطرش مقدَّمة الكتاب بتمهيد ضروريّ تبرز فيه الظّروف التي كتبت فيها تلك المذكّرات وتشير السّيّدة ريم إلى أن والدها قد شرع في كتابة مذكّراته الشّخصيّة ولكن الموت عاجله قبل أن يتمّها. كما تشير إلى أنّها تدخّلت في عدة مواضع من الكتاب لحذف بعض المقاطع عملاً بالقول المأثور “ما كل ما يعلم يقال” على أن تبقى تلك المقاطع محفوظة بين الوثائق إلى أن يحين الوقت المناسب لنشرها.

يثير اسم الكتاب “الجيل المدان” تساؤلاً مشروعاً لدى القارئ. فمن الجيل؟ ولماذا الإدانة؟
لا ينتظر منصور الأطرش (أبو ثائر) طويلاً حتى يجيبنا على هذا السّؤال. فمباشرةً وفي مقدمة الكتاب يقول بوضوح أن الجيل المقصود هم أبناء جيل الرّجال الوطنيين الذين حاربوا الاستعمار بكل الأساليب المتاحة وحافظوا على راية الوطن مرفوعة.

أما عن سبب الإدانة فلأن هذا الجيل الذي قدّم نفسه كاستمرار لجيل المناضلين الأوّلين و وقف بوجه عملاء الاستعمار الذين تابعوا القيام بدورهم في مرحلة ما بعد الاستقلال, لم يكن وفيّاً لما كَلّف به نفسه من مهام وطنيّة بل سرعان ما ظهر قصور هذا الجيل و سقوطه.

يقول منصور الأطرش في مقابلة له مع مجلّة الخليج: نحن مسؤولون وجيلنا مدان, وإن قُدّر لي أكتب مذكّراتي فسوف أضع عنواناً لهذه المذكّرات “الجيل المدان”. مدان لماذا؟ لأننا كجيل لم نكن أوفياء للأهداف التي رسمناها للحزب, ولم نكن أوفياء للسير النزيه نحو هذه الأهداف, وغرقنا في الذرائع حتى نحمي أنفسنا من السقوط عن سدّة الحكم فسقطنا معنويّاً وأخلاقيّاً. ولم نعد نحسّ بأيّ رابط بيننا وبين صورة البعث الأول …  (ريم الأطرش, الجيل المدان ص. 18)

بعد تمهيد المعدّة والمقدّمة يقسم الكتاب إلى 7 أبواب رئيسية:

  • الطّفولة واليفاعة
  • مرحلة الشّباب
  • دخول معترك الحياة العمليّة والحزبيّة
  • الانتخابات التّشريعيّة في العام 1954م
  • الوحدة السّوريّة المصريّة 1958-1961
  • ثورة البعث في الثّامن من آذار 1963م
  • الملاحق

الطّفولة واليفاعة
تتفتّح عينا منصور الأطرش على الحياة تحت خيمة كبيرة في منطقة الأزرق, حيث يعاني و أهله شظف العيش ومخاطر الغزو. يروي الأطرش تفاصيل حياتية لأسر الثّوّار النّازحين تبدو تفاصيل جانبية ولكنّها تعطينا صورة عمّا كابده الثّوّار و أسرهم من آلام وفاقة اضطرّتهم حتى لأكل الجراد.

يقول منصور الأطرش: فكنت في موسم الجراد أرتّب حملات قنص مع شريفة. ننهض باكراً وقد تأبّط كلٌّ منّا كيساً صنعته أمّي لغرض جمع حصيلة الحملة فيه, فنأتي شجيرة القطف ونجمع الجرادات وهي ما تزال من شدّة برودة الليل لا تقوى على الطّيران. وعندما نجمع ما يكفي لوجبة دسمة نعود إلى خيمتنا. ولا نكون قد ابتعدنا أكثر من مئات الأمتار, وفي كل الأحوال لا ندع منزلنا يغيب عن أبصارنا خوفاً من أن نتوه كما تاه الطّفل فهد بن عطا الله أبو سعيد. (ريم الأطرش, الجيل المدان ص.27)

رواية منصور عن تلك الحقبة لا تخلو من ملامح إنسانية تبرز نبل أولاءك الثّوّار الذين اختاروا فقر النّزوح ومشقّته على الوفرة مع قبول الاحتلال.

يستفيض بالحديث عن مشاكساته الطّفولية وما ترتّب عليها من آلام له وللأهل الذين فجعوا بفقد ولدين قبله. كما يذكر ملازمته لوالده وما تعلّمه الولد من الوالد من فلسفة الحياة.

يقول منصور الأطرش: ولما أشرقت الشّمس وارتفعت قليلاً في الأفق صرنا نصادف بعض الطّرائد وكما هي العادة, نال أبي نصيباً وافراً منها و في إحدى المرّات قامت أرنب تعدو أمامنا وحولها جراؤها فأحجم أبي عن إطلاق النّار عليها رغم إلحاحي حتى نجت بنفسها وبصغارها إلى خارج مدى السلاح. فغضبت غضباً شديداً ….. عندها فسّر لي أسباب إحجامه وعفوه عن الأرنب لأن حياة جرائها معلّقة ببقائها على قيد الحياة. كانت نزوة وكسبت درساً.

(ريم الأطرش, الجيل المدان ص.29)

ثم ينتقل للحديث عن انتقال الثّوّار للعيش في مدينة الكرك الواقعة في إمارة شرقيّ الأردن بعد لقاء جمع الثّوّار وعلى رأسهم سلطان الأطرش بالأمير عبدالله بن الحسين في ضيافة أبو علي حديثة الخريشة.

وبينما ينقل منصور الأطرش الأحداث بعيني طفل في السابعة من عمره يستطيع القارئ أن يستشف أهميّة هذه النّقلة في حياة الثّوّار المنفيّين حيث انتقلوا من الكثبان الرّملية إلى القرى المأهولة والأراضي الخصبة فراح بعضهم يكسب الرّزق من خلال العمل بالزّراعة أو التّجارة كما بدأ الأطفال يتردّدون على المدارس. هذه النّقلة شكّلت أملاً للثوّار حيث استطاعوا أخيراً أن يزرعوا أرضاً من جديد ويجنوا محصولها وأن كانت أقلّ بكثير ممّا اعتادوا عليه في الجبل. المفارقة بين الطموحات الكبيرة في تحرير البلاد وطرد المستعمر الفرنسي وبين الحالة الرثّة للثّوّار لم تغب عن صفحات هذه السيرة الذّاتية. 

يقول منصور الأطرش:وبمناسبة الحديث عن زراعتنا فقد روى عمّي زيد أن أحد مشايخ بلدة الفحيص وكان عمّي يقطنها لفترة, سأله: سمعت يا زيد بيك أنّكم زرعتم قمحاً في اليادودة فهل هذا صحيح؟ فأجاب عمّي بالإيجاب وأكدّ له أنّنا زرعنا مئة وخمسين صاعاً, كما يقدّرون الكيل في بلدتهم. فضحك الشيخ عندما رأى عمّي ممتنّاً شاكراً معبّراً عن الرّضى, ثم قال: يا زيد ! ألا يخاف الله أخوك سلطان. أيريد أن يحارب الدّول العظمى بمئة وخمسين صاعاً؟
(ريم الأطرش, الجيل المدان ص.38)

بعد الكرك ينتقل منصور للحديث عن عودة الأسرة إلى القريّا بعد أعوام النّزوح فيصف تجهزات العودة واحتفاء أهالي الكرك بالثّوّار قبيل عودتهم وكذلك احتفاء أهالي الجبل بعودة القائد العام للثّورة وعائلته, كما يصف جموع المهنئين التي أمّت داره بعد وصوله. المشهد الذي استمر لشهور طويلة.

ثم لا يلبث أن ينتقل للحديث عن مسيرته التّعليميّة برفقة محمد ابن عمّه مصطفى شهيد معركة الكفر, فمن مدرسة القريّا إلى مدرسة التطبيقات في دمشق ثم إلى المعهد اليسوعي في بيروت ثم إلى مدارس دمشق من جديد للحصول على البكالوريا.

يتخلل حديث منصور عن مسيرته التّعليميّة إشارات واضحة إلى حالة الفقر التي كانوا يعانون منها والفارق الواضح بين وضعهم الماديّ ووضع بقيّة الطّلاب. ما يُظهر جلياً أن سلطان الأطرش دفع ثمن مواقفه الثورية فقراً وتهّجيراً ودفع معه أبناؤه وأبناء أخوته ذلك الثّمن أيضاً.

مرحلة الشباب

يتفتّح شباب منصور وسط أحياء دمشق حيث انخرط في المجتمع الدّمشقي والهمّ السّياسيّ العام والجميع يرقب إرهاصات الاستقلال.

يسهب منصور في الحديث عن مظاهرات دمشق المطالبة بضم الجيش تحت سلطة الحكومة السّوريّة أسوة بالدرك. ويتطوع رفقة زملائه في صفوف الجيش الوطني. بينما تصل الأنباء من الجبل عن انقلاب نفّذه الأمير حسن الأطرش ورفاقه ضدّ الضّبّاط الفرنسيين و إيداعهم السجن. فكانت ردّة فعل الفرنسيين على هزيمتهم في السّويداء قصف دمشق بالمدفعيّة بعنف. وصولاً لموقف القوات الإنكليزية المرابطة في دمشق والذي حسم الأمر عسكريّاً وجعل الاستقلال قاب قوسين أو أدنى.

يقول منصور الأطرش:ومما زاد من قلق الرّجال أن الأمير حسن الأطرش محافظ السّويداء ورفاقه من الضّبّاط الدّروز في “الإسكادرونات” الدّرزية كانوا قد قاموا بانقلاب ناجح في السّويداء على الفرنسيين و أودعوهم جميعاً أسرى في سجن خاص. ولم تكن ردّة الفعل في دمشق إلا حقداً و تغطية للفشل الذريع الذي مني به الفرنسيون في الجبل.  (ريم الأطرش, الجيل المدان ص.71)

بعد الحديث عن الانقسام الذي طرأ بعد الاستقلال وما تبعه من تحزب مع الرئيس القوّتلي وضده ينتقل منصور الأطرش للحديث عن مرحلة أخرى من حياته وهي مرحلة الدّراسة  في الجامعة الأمريكية في بيروت وما تخللها من مظاهرات وعمل سياسي ترافق مع أحداث النّكبة.

ومما يبعث على التأمل أن منصور ابن أحد أعظم أعداء فرنسا بدأ يسعى للحصول على مقعد دراسي في باريس لدراسة الحقوق. وفي سياق محاولة الحصول على تأشيرة دخول لفرنسا تم التواصل مع السفير الفرنسي في سوريا وكانت البرقية لا تخلو من الطرافة.

يقول منصور الأطرش:وحصلت على تأشيرة دخول إلى فرنسا بسهولة تامة إذ كان الدكتور جميل محفوظ قد اتصل بالسّفير الفرنسي موصياً إياه خيراً بي مداعباُ: ها أنا أرسل إليك ابن أكبر عدو لفرنسا غايته الدّراسة فيها وفي عاصمتها.
(ريم الأطرش, الجيل المدان ص.99)

اسم أكبر أعداء فرنسا هذا كان له وقع مميّز في باريس فيكفي لمنصور أن يكون ابن ذلك العدوّّ ليكون محط أنظار الجميع. في هذا السياق يذكر منصور يومه الأول في الجامعة حيث أراد الأستاذ التعرف على الطلاب واحداً تلو الآخر ولكن اسم الأطرش ليس اسماً يمكن المرور عليه ببساطة ككل الأسماء.

يقول منصور الأطرش:وكان الاسم الثاني اسمي فنهضت وحيّيته بإيماءة من الرأس وهممت بالجلوس عندما سألني من أين أنت؟ من أي بلد؟ قلت من سورية. فقال لعلّك من جنوبها, فقلت: بالضبط أدرزي أنت؟ قلت نعم. أيكون سلطان الأطرش قريبك؟ فقلت هو والدي. فقال تفضّل بالجلوس. وانبرى يشرح للطلاب من هو سلطان الأطرش: رجل وطني شجاع, بطل دافع عن بلاده ضد الاستعمار. خصم شريف لفرنسا!
(ريم الأطرش, الجيل المدان ص.109)

دخول معترك الحياة العمليّة و الحزبيّة

بعد العودة من فرنسا كان منصور على موعد مع مغامرة جديدة, مغامرة من نوع مختلف حيث دخل معترك الحياة الحزبيّة العمليّة من بوّابة حزب البعث وكانت أولى مواجهات الحزب مع سلطة الدّكتاتور أديب الشّيشكلي. يحدّثنا منصور الأطرش بتفاصيل الأحداث بداية من محاولة الشّيشكلي تجّريد الباشا من منزله في دمشق وصولاً إلى مؤتمر حمص و رمي القنابل الصّوتيّة على بيت الشّيشكلي و رئاسة الأركان واعتقال منصور وأخيه ناصر للمرّة الأولى. ثم يشرع بالحديث عن نشاطه اللاحق بعد الإفراج عنه و من ثم اعتقاله الثّاني الذي فجّر الأوضاع في القريّا وتدخُل جيش الشّيشكلي وتنكيله بالدّروز. ومن داخل زنزانته كان منصور يسمع أنباء ما حصل في تلك الحملة الوحشيّة.

يقول منصور الأطرش:كنت أحسّ أنّنا في مأمن ما دام أهلنا لم يرموا السّلاح. أمّا إذا وقعوا في الأسر فعلينا وعليهم السّلام ورحمة رب العالمين, وقد لا يجدون من يطلق عليهم هذه الرّحمة إن انتصر الدّكتاتور لأن الرّعب قد يعقل الألسن ويميت المروءة, حتى بين قوم عرفوا بشدّة البأس.
(ريم الأطرش, الجيل المدان ص.199)

حملة الشّيشكلي التي نزح على إثرها سلطان الأطرش من جديد إلى الأردن وما تلاها من أحداث انتهت بالقضاء على الحكم الدّكتاتوري للشّيشكلي وانفتاح الأفق الدّيمقراطي لسوريا من جديد. ويصف لنا منصور مشاهد من استقبال الجماهير لسلطان الأطرش بعد عودته من الأردن.

يقول منصور الأطرش: كان اللّقاء موجاً من البشر. ضاقت السّاحة العامّة بالرجال على اتساعها, والكل يهزج والكل يلقي الشعر الزجلي وآخرون الجوفيات التّقليدية. وكثيرون جهدوا للوصول إلى سلطان للسّلام عليه ولم يفلحوا واكتفوا بتوجيه أعطر الكلمات عن بعد.
(ريم الأطرش, الجيل المدان ص.212)

الانتخابات التشريعية في العام 1954م

ينتقل أبو ثائر بعدها للحديث عن أولى تجاربه البرلمانيّة حيث تقدّم بترشيحه نائباً عن قضاء صلخد في أوّل انتخابات بعد زوال حكم الطّاغية الشّيشكلي.

أوّل انتخابات بعد أحداث الشّعبيّة عام 1947م  حيث الحساسيّات العائلية لا تزال جمراً تحت الرّماد والصّراع انتقل من ميدان الحرب إلى ميدان السّياسة.

بعد فوزه يخوض منصور تجربة البرلمان كعضو في كتلة البعث و ممثل عن صلخد و عائلة الأطرش ويروي لنا مشاهدات من داخل المجلس أكثرها إثارة للانتباه تلك التي تظهر تغوّل العسكر على المجلس حيث فرض العسكر تعديلاً في الميزانيّة العسكريّة فانصاع النّواب جميعاً عدى منصور الذي قدّم اعتراضاً على هذا التّدخل ليلمس بعدها حجم الخوف الذي يسبّبه العسكر لبعض النّواب.

يقول منصور الأطرش:و أثناء الاستراحة هرع إليّ عدد من النّواب من حزب الشّعب والحزب الوطني ومن العشائر وكل واحد منهم ينصحني بأن أذهب إلى رئيس المجلس وأشطب معارضتي. وقال لي المرحوم علي بوظو: يا منصور مالك وهذا الاعتراض؟؟ هذا سيكسبك عداوة العسكر وانت في بداية حياتك السّياسيّة, لذلك اسمع نصيحتي واطلب شطب معارضتك.
(ريم الأطرش, الجيل المدان ص.234-235)

الوحدة السّوريّة المصرية 1958-1961

يصف منصور الأطرش المزاج العام السّائد بين رفاقه البعثيّين قبيل إعلان الوحدة مع مصر. حيث كان الحماس للوحدة طاغياً إلى درجة إخراس أيّ صوت يحاول مناقشة الأمر بشكل منطقي. ويورد تحذيراً قدّمه بعض منتسبي الحزب ممن يدرسون في مصر فحواه طلب الحذر من أسلوب حكم الفرد الواحد الذي يعتمده عبد الناصر وعدم ملائمته للواقع السّوريّ. ولكن الحزبيّين قيادة و قواعداً لم يكترثوا لهذا التّحذير. كما أنّ منصور تعرّض لجواب قاسٍ بعض الشّيء من ميشيل عفلق عندما قدّم استفساراً عن مصير الحزب بعد الوحدة.
ولكن الأيّام توالت وتزايد معها الخذلان وخيبة الأمل لتصل الوحدة إلى طريق مسدود و فشل حمل الأطرش أجهزة الأمن المسؤوليّة عنه.

يقول منصور الأطرش: إنّ آفة الحكم الشّموليّ هي الاعتماد على الأجهزة الأمنيّة التي في كثير من الأحيان تختلق المؤامرات وتنسب للناس نوايا غير حقيقيّة, وتقرّب التّافهين وتبعد أصحاب الرّأي والموقف الجريء. هذا كلّه حصل بالفعل. و لا يملك الحاكم سوى اعتماد تقاريرهم على الغالب لأن التّأكد من صحّتها أو اختلاقها لا يتسنّى دوما له مهما كان مخلصاً في نواياه.
(ريم الأطرش, الجيل المدان ص.291)

ثورة البعث في الثّامن من آذار 1963

الفصل الأخير من مذكّرات منصور الأطرش يتحدث عن انقلاب البعث في آذار 1963م وما تبعه من ترتيبات كان لمنصور فيها دور مهم. بل إن ذروة نفوذ منصور كان في هذه المرحلة.

حيث تسلم وزارة العمل وعضوية مجلس قيادة الثورة و عضوية المجلس الرّئاسي. ومن هذا الموقع المتقدّم يرصد لنا منصور الأطرش تفاصيل الخلافات بين رفاق الأمس من اللّجنة العسكريّة من جهة والبعثيّين المدنيين من جهة أخرى. هذا النّزاع ما لبث أن انكشف عن تحيّزات طائفيّة بين صفوف العسكر والمدنيّين على حدّ سواء. و الحديث عن الطّائفية بعد انقلاب البعث أخذ منحى خطير.

يقول منصور الأطرش: ومن كان يرى قبل ثورة الثّامن من آذار أن التّباهي بالانتماء إلى طائفة عيب لا بل إثم كبير أصبح اليوم يرى فيه حماية لوجوده الآني وضمانة لحياته مستقبلاً.
(ريم الأطرش, الجيل المدان ص.367)

يحظى الحديث عن انقلاب 23 شباط 1966م بجزء جيّد من هذا الباب. فالانقلاب الذي أوصل العسكر للسلطة بشكل فظّ, كان هو نفسه الذي انتزع آخر ما في يد المدنيّين البعثيّين من سلطة, ومن أولاءك كان منصور الأطرش حيث تمّ احتجازه في السّجن مع القيادة القومية للحزب ولم يخرج إلّا خلال حرب حزيران.
ينقل منصور تفاصيل الخلافات التي سبقت انقلاب 23شباط وخاصة الخلاف الذي وقع بين اللّواء حافظ الأسد قائد سلاح الطّيران في وقته و الفريق أمين الحافظ رئيس مجلس الرئاسة. و يتشعب ليروي تفاصيل عن أحاديث أعضاء القيادة في السجن. بعدها يروي كيف خرجوا من السجن إلى بيوتهم ليسمعوا ما بثته أجهزة الأمن من إشاعات تطعن في وطنيّة الدّروز وتحمّلهم مسؤوليّة الهزيمة.

فكما هو الحال في كلّ هزيمة لا بد من كبش فداء للقيادة ومن أجدر من الدّروز ليكونوا هذا الكبش. فقد انتشرت إشاعات في طول البلاد وعرضها تتحدّث عن مسؤوليّة الدّروز عن الهزيمة. تقول الإشاعة أن الدّروز هم من أرشدوا الطّائرات الإسرائيلية إلى أهدافها.

يقول منصور الأطرش: وعلى ضوء المواجهة العلنيّة أحياناً والصامتة أحياناً أخرى مع العسكر الذين غدروا بالحزب فأتبعوه إلى نهجهم في الحكم وجعلوه واجهة يستظلون بها و بما تحمله من شعارات قوميّة وأخرى تقدميّة, وكذلك لتغطية هزيمتهم في حرب الأيام السّتة التي كشفت مزاودات الشباطيّين المتسبّبة في إشعال فتيل حرب أضرموها ولم يخوضوها, ثم تغنّوا بعدها ببطولات لم يأتوها ثم اتّهموا شرفاء النّاس بالميل إلى العدوّ ليحولوا نقمة المواطنين عليهم هم إلى غيرهم, الأبرياء المشهود لهم بالرّجولة و حبّ الوطن.
(ريم الأطرش, الجيل المدان ص.382)

قبل الختام يتحدّث منصور الأطرش في عجالة عن انقلاب حافظ الأسد عام 1970م وما تلاه من محاولات للعمل المشترك دون نتيجة واضحة بسبب عدم وجود إمكانيّة للعمل مع حافظ الأسد دون الرّضوخ له والإذعان لأوامره, الأمر الذي كان منصور يرفضه رفضاً قاطعاً.

يقول منصور الأطرش: وأتي الجواب بعد سنوات, بعد حرب 1973م في مقابلة مع الرّئيس كنت فيها وحيداً. قال الرّئيس لي: “في الحقيقة لم أهتدِ إلى صيغة ملائمة لنعمل معاً”.
(ريم الأطرش, الجيل المدان ص.394)

في الملاحق

  1. مقابلة مع منصور الأطرش في 5 آب1989م بعنوان محاولة لتأريخ حزب البعث العربي الاشتراكي من خلال التّجربة
  2. تعليق على مذكّرات أكرم الحوراني
  3. كلمة في تأبين أكرم الحوراني
  4. تلخيص لنماذج رسائل السيدة الفرنسية أليس بوللو (صحافية مهتمّة بالشأن السوري وصديقة للعائلة) لكل من منصور الأطرش وهند وإميل شويري إضافة لرسالة خاصة إلى سلطان باشا الأطرش

في الختام

تجّربةُ شخصيَّةٍ فريدةٍ كمنصور الأطرش تحمل الكثير من العبر والدّروس لكل العاملين في المجال العام. وخيراً فعل أن عنون كتابه بهذا العنوان, فهو يدل على عمليّة نقد ذاتيّ صارم نادراُ ما نجده عند العاملين بالسّياسة في بلادنا, حيث يجنح أغلبهم لتمجيد الذّات وسوق الأعذار عن كلّ خطأ و تحميل المسؤوليّة عنه في كثير من الأحيان للظروف أو لأشخاص آخرين.

تظهر من خلال المذكّرات سمات منصور الشّخصيّة ولعل أكثرها بروزاً ذلك التّعلّق المفرط بالأحلام الورديّة والمثل العليا. كما لا يخفى على القارئ نزوعه للاندفاع والمغامرة في صباه وشبابه من مغامراته في وادي السرحان إلى مغامرة رمي القنابل الصوتية على منزل الشّيشكلي إلى تحديه العادات والتقاليد بزواجه المختلط.  أما في الكهولة فقد مال للدعة والركون بشكل ملحوظ. حتى أنّه ربما تعمّد في هذه المذكّرات مهادنة عهد حافظ الأسد والابتعاد عن الاحتكاك العنيف به. بل أنّ بعض المقاطع تشي بسعي منصور للحصول على دور ما في عهد الأسد حال دون نجاحه تمنّع الأخير.

مراجعة مجدي هندي العمّار
22-03-2026