قرية المشقوق: دراسة تاريخية وأثرية شاملة
إعداد وتوثيق: وضاح الحجلي
مقدمة
تعد قرية المشقوق نموذجاً حيّاً لتاريخ الاستيطان البشري في جبل العرب، حيث تعاقبت عليها الحضارات منذ العصور الحجرية وصولاً إلى العصر الحديث.
يهدف هذا التقرير إلى توثيق تاريخ القرية ومعالمها الأثرية استناداً إلى المسوحات الميدانية والمصادر التاريخية والأثرية، مقسماً الدراسة إلى محاور رئيسية تغطي الجغرافيا، والتسلسل التاريخي، والمعالم العمرانية واللقى الأثرية، والنقوش.
المحور الأول: الجغرافيا والتاريخ الحديث

الموقع والتسمية
تقع قرية المشقوق على مرتفع صخري يرتفع 1240 متراً عن سطح البحر، وتحيط بها تلال بركانية وأودية تشكل سهلاً خصباً. تبعد القرية حوالي 12 كم عن الحدود الأردنية و7 كم جنوب مدينة صلخد. يحدها عدد من القرى والمعالم التضاريسية، منها: عنز، صما البردان، تحولا، قميري، تل الحبس، وتل عبدمار.
يُرجح أن تسمية “المشقوق” حديثة نسبياً، وهي تحوير لاسم “أم الشقوق” الذي أُطلق عليها نظراً لكثرة الشقوق الصخرية الكبيرة المنتشرة في موقعها. وقد شكلت هذه الشقوق، إلى جانب البرك والمطوخ (المسطحات المائية الطبيعية)، مصدراً رئيسياً للمياه، حيث تضم القرية أربع برك قديمة، رُدمت اثنتان منها، بالإضافة إلى آبار وخزانات أثرية، منها خزان كبير في منطقة الدير تم ردمه.
إعادة الإعمار والاستيطان الحديث
بدأ التاريخ الحديث للقرية حوالي عام 1909، عندما استوطنتها عائلات قدمت من مدينة صلخد، منها عائلات الحجلي، عزيز، الشريطي، عبيد، والجمّال. قام السكان الجدد بترميم البيوت الأثرية للسكن واستصلاح الأراضي الزراعية.
شهدت القرية في القرن الماضي نهضة عمرانية تمثلت في تشييد مبانٍ تراثية متميزة، من أبرزها:
- دار سليم الحجلي (1910).
- مضافة عبدالله الحجلي (1921).
- دار المجاهد صالح عزيز (1941-1947): تُعد من أكبر الدور في الجبل، حيث شُيدت على مساحة 14 دونماً، وتضم سوراً وثلاث بوابات ومضافة ضخمة.
- دار علي الحجلي (1957): تتميز بواجهتها المؤرخة.
- المدرسة الابتدائية: التي تعود لفترة الانتداب الفرنسي.

كما تضم القرية متحفاً خاصاً يحتوي على قطع تراثية وأثرية توثق تاريخ المنطقة عبر العصور.
المحور الثاني: التسلسل التاريخي
شهدت المنطقة استيطاناً متقطعاً منذ العصور الحجرية، مروراً بالفترات الكنعانية، النبطية، الرومانية، البيزنطية، والإسلامية، وصولاً إلى الاستيطان الحديث. وقد وصف الرحالة بتلر (Butler) من بعثة جامعة برينستون القرية عام 1905، مشيراً إلى موقعها الشامخ وحالة مبانيها الأثرية الجيدة، وذكر استخدام أحجار معبد دير المشقوق في بناء المنازل الخاصة.
- العصور الحجرية
تشير المسوحات الميدانية إلى وجود أدوات صوانية وبقايا أدوات ثقيلة في محيط القرية، خاصة في منطقة “أرض العوجا” غربي القرية. تم العثور على فأس صواني ورؤوس رماح وسهام من الحجر البازلتي بالقرب من الكهوف، مما يدل على نشاط بشري مبكر.

- العصور البرونزية والحديدية
ارتبطت المنطقة بالحضارات الكنعانية والأمورية. ورغم قلة الآثار الظاهرة لهذه الفترة بسبب تعاقب الحضارات، إلا أن هناك دلائل معمارية في أحد المنازل تتمثل في غرف وسراديب مسقوفة بنظام الميازين والأعمدة دون استخدام الأقواس، بالإضافة إلى موقع أثري شمال القرية يحوي فخاراً ونقوشاً تشبه الصفائية، وركام مباني بدائية في محيط القرية.
- الفترة النبطية
تعتبر القرية موقعاً نبطياً هاماً، وتضم آثاراً بارزة أهمها معبد الدير والنقوش النبطية، منها نقش في المعبد النبطي شرق القرية (دير المشقوق).
- الفترة الرومانية والبيزنطية

تعود معظم المباني الأثرية القائمة إلى الفترة الكلاسيكية (القرن الرابع الميلادي وما بعده). من أهم المعالم:
- مبنى سكني مكون من طابقين بواجهة جنوبية ونافذة ذات مظلة حجرية.
- مبنى آخر مجاور ذو ممر مبلط وبوابة حجرية.
- أقبية واسطبلات حافظت على هيئتها.
- نقوش يونانية توثق أسماء أشخاص ومحاربين، منها نقوش جنائزية.
- الفترات الإسلامية
استمر ازدهار القرية في العصور الإسلامية، حيث شكلت نقطة دفاعية في العهد الأموي. استمر الاستيطان حتى العهد المملوكي (القرن الخامس عشر)، حيث تم ترميم المباني الأثرية وإضافة مبانٍ جديدة. تم توثيق نقوش كوفية تعود للفترتين العباسية والأموية، بالإضافة إلى نقوش أيوبية ومملوكية.

المحور الثالث: المعالم الأثرية (البرج والكفير)
- البرج
توسط القرية قديماً برج مربع كبير، قام بوصفه الآثاري الفرنسي وادينجتون (Waddington) في رحلته إلى حوران عام 1861.
وثق بتلر البرج عام 1905، مشيراً إلى شكله المحدب المميز ووجود شرافات دفاعية. عُثر في واجهته الشرقية على نقش يوناني (مقلوب، مما يشير لإعادة استخدامه) يؤرخ لبنائه عام 351 م. .
نص النقش المترجم “حظ جيد! بني البرج بنجاح. باسوس، محارب قديم، قائد سرية سابق، خدم في بلاد ما بين النهرين. كان سوريانوس هو المعماري. أنفق 10000 مرة 1575 دينار. عام 245 [بصروي الموافق 351 م]”.
يشير النقش إلى التضخم المالي في تلك الفترة ويذكر اسم المعماري “سوريانوس.
يُقدر أن البرج قد تهدم بين عامي 1905 و1911، ولا تزال أساساته موجودة ضمن أحد المنازل القديمة.

- خربة الكفير (إم البلايط)
تقع جنوب المشقوق، وهي موقع أثري شهد استيطاناً حتى العهد المملوكي. تعرضت مبانيها للنقل واستخدام حجارتها في القرى المجاورة (مثل عنز).
تضم الخربة خزانات وآبار أثرية، ونبع “عين الكفير”. أشار بتلر إلى غياب أبنية كلاسيكية ضخمة فيها، مرجحاً أن النقوش والمذابح الوثنية الموجودة في مبانيها المسيحية المتأخرة منقولة من دير المشقوق المجاور.
أهم النقوش واللقى في الكفير:
- مذبح عليه نحت لرجل ملتحٍ (يُعتقد أنه الإمبراطور جوليان بزي كاهن).
- شاهد قبر لزوجة من عائلة هيرونيموس (318 م).
- نقش مشوه يذكر بناء “theatron” (مدرج) يُنسب لمعبد المشقوق.
- دير المشقوق
يُعد “دير المشقوق” المعلم الأبرز، رغم تحوله إلى ركام، حيث مر هذا الموقع بمراحل متعددة:
- معبد نبطي وثني (القرن الثاني الميلادي): بُني على الطراز الكلاسيكي لعصر هادريان (وليس الطراز النبطي المحلي لمعابد سيع). عُثر فيه على نقش نبطي يؤرخ للسنة السابعة من حكم هادريان (124 م).
- كنيسة مسيحية مبكرة: أُزيلت الأعمدة والرواق وأضيفت جدران جديدة.
- عودة للوثنية (عهد جوليان المرتد): تشير النقوش (خاصة نقش تم نقله إلى قرية عنز) إلى إعادة بناء وتكريس المعبد عام 362 م.
- دير مسيحي (القرن السادس): توسع البناء ليشمل مباني رهبانية.
- سكن في العصور الوسطى.
النقوش المرتبطة بالدير:
- نقش نبطي: “هذا المذبح الذي شيده معين بن عقرب بمعبد الإله أشر إله معين سنة سبع للقيصر هادريان (124 م)”. يشير ذكر الإله “أشر” (وليس “أسد” كما ساد الاعتقاد) إلى ارتباطه بآلهة تدمر والحضر.
- نقش التجديد (المنقول إلى عنز): يوثق إعادة بناء المعبد وتكريسه عام 362 م في عهد الإمبراطور جوليان.
- نقش “Theatron”: يشير إلى وجود مدرج أو فناء للمراسم الدينية ملحق بالمعبد، يرجح أنه كان يضم المذبح الكبير.

خاتمة
تُقدم قرية المشقوق في جنوب السويداء، من خلال شواهدها المعمارية والنقوش المتناثرة، وثيقة تاريخية هامة عن التطور الديني والاجتماعي في منطقة جنوب حوران، وتداخل الحضارات النبطية والرومانية والمسيحية والإسلامية في نسيج عمراني واحد.
المصادر والمراجع:
- Sartre-Fauriat, A., & Sartre, M. Inscriptions Grecques et Latines de la Syrie (IGLS), XVI, قيد النشر.
- Butler, H. C. Ancient Architecture in Syria: The Southern Hauran.
- Littmann, E. Greek and Latin Inscriptions in Syria: Southern Hauran.
- خلف، تيسير. دراسات في النقوش النبطية.
- المسوحات والتوثيق الميداني (وضاح الحجلي).
Swaida Intellectual Digital Magazine 1, 2026, ISSN: 3099-3172 (online)