آثار مياماس بريف السويداء: التحول من معابد وثنيّة إلى كنيسة مسيحيّة
وضاح الحجلي
تمهيد: أهمية موقع مياماس الأثري
تحوي بلدة مياماس في ريف السويداء الجنوبي مجمعاً دينياً ذا أهمية كبيرة في تاريخ العمارة الدينية في جنوب سورية، يتمثّل في تركيب معماري مركّب يدمج بين عمارتين وثنيتين وعمارة كنسية مسيحية لاحقة ضمن فضاء واحد. يتكوّن هذا المجمع من معبدين وثنيين صغيرين يتجهان نحو الشمال، شُيّدا ابتداءً على الطراز الكلاسيكي الحوراني، ثم جرى في مرحلة لاحقة بناء كنيسة بينهما وربطهما معاً ليُشكّلا بازيليكا صغيرة نسبياً من حيث الأبعاد.
الواقع الراهن للموقع وإعادة استخدام العناصر المعمارية
لا يبقى اليوم من هذا المجمع سوى أجزاء من جدران المعبدين الوثنيين، إضافة إلى الجزء الخلفي (الجنوبي) من الكنيسة، مع عدد كبير من العناصر المعمارية والزخرفية الدقيقة المنحوتة بعناية والمبعثرة في أرجاء الموقع. وقد أُعيد توظيف جزء من هذه الكتل الحجرية المنحوتة في أبنية القرية اللاحقة، لا سيما في المضافات وبعض الدور المجاورة، في استمرار واضح لظاهرة إعادة استخدام الأحجار الأثرية في العمارة الشعبية الحديثة.
وتُشير طبيعة الموقع وطبيعة الكسر المعمارية إلى احتمال قوي لوجود أرضيات فسيفسائية ضمن المجمع، إلا أنّها لا تزال مطمورة تحت الردميات، ما يستدعي إجراء تنقيب أثري منظّم باستخدام الأدوات المناسبة للكشف عن هذه الطبقات، وتوثيقها وفق المعايير العلمية الحديثة، تماماً كما أوصى باتلر بالنسبة لمواقع أخرى مشابهة في حوران مثل الصنمين.
إعادة بناء مشهدية المجمع في زمن ازدهاره
إذا حاولنا أن نعيد تخيّل أنفسنا في زمن ازدهار هذا المجمع، أمكننا أن نتصوّر عظمة البناء وروعة مخطّطه، حيث تتجلّى فخامة التنفيذ في تماسك الكتل الحجرية وتناسق النسب بين أبعاد المعبدين والكنيسة البازيليكية. يمكن تصور نقوش متناظرة مذهلة تزيّن الإفريز والتيجان والحواف، إلى جانب تماثيل موزّعة بانتظام ضمن الفضاء المعماري، تتكامل مع فسيفساء أرضية وجدارية متقنة، ما يضفي على المكان طابعاً احتفالياً وطقسياً مهيباً. كما يمكن افتراض أنّ رائحة البخور المنبعثة من المعبد كانت تشكّل جزءاً أساسياً من التجربة الشعائرية، بما تضفيه من بعد حسي وروحي يكمّل الأثر البصري للنقوش والتماثيل والفسيفساء. ورغم أنّ هذه الصورة تنتمي إلى حقل إعادة البناء التخيلي العلمي، إلا أنّها تستند إلى ما نعرفه عن مجمّعات دينية مشابهة من الفترة نفسها في جنوب سورية.
شهادة هاورد كروسبي باتلر ووصف بعثة برينستون
يعتمد هذا المقال أساساً على ترجمة ما أورده هاورد كروسبي باتلر عن مجمع مياماس في مؤلَّفه «Ancient Architecture in Syria» المنشور ضمن سلسلة «منشورات البعثات الأثرية لجامعة برينستون إلى سورية 1904–1905 و1909، القسم الثاني: العمارة القديمة في سورية، القسم أ: جنوب سورية». زار باتلر المنطقة ضمن بعثة من جامعة برينستون في بدايات القرن العشرين، وضمّن وصفه لمياماس في سياق عرضه لعمارة جنوب حوران.
يصف باتلر مياماس بأنها «قرية صغيرة تقع على المنحدر الجنوبي لسلسلة من التلال بين الوديان، ولا يوجد ما يشير إلى وجود بلدة كبيرة هنا على الإطلاق، فالأنقاض الوحيدة المرئية تخصُّ كنيسة كبيرة مرتفعة على المنحدر وحمّام أسفل مجرى النهر القديم». ويضيف أنّ الأبنية الحالية في القرية تتجمّع «بين بنائين قديمين»، وأنّ الكنيسة المهدّمة آنذاك كانت مسكونة وقد استُخدمت «منزلاً لشيخ القرية»، وهو ما يعكس تواصل الاستعمال السكني للبناء المقدّس بعد تحوّلاته التاريخية المتعاقبة.
التحليل المعماري للمباني وفق باتلر
يشير باتلر إلى أنّ طلاء الجدران الداخلية بطبقة من الطين جعل من الصعب جداً استكشاف الهوية الأصلية للبناء من الداخل، غير أنّ الفحص الدقيق للواجهات الخارجية من جميع الجهات كشف وجود «مبنيين مربعين صغيرين يقعان على محور واحد على مسافة تقارب ثمانية أمتار»، وقد تم ربطهما بجدارين متوازيين بعد إزالة الجدار الشرقي لأحد المبنيين والجدار الغربي للآخر، بحيث أُدمجا ضمن هيكل واحد من الطراز البازيليكي.
كما يوضح أن مدخلاً جديداً أُقحم في الجدار الجنوبي للمبنى الغربي، مع إنشاء بوابتين في الجدار الجنوبي الجديد، ما أدّى إلى إعادة توجيه الحركة ضمن الفضاء المعماري بما يتوافق مع وظيفة الكنيسة المسيحية اللاحقة. ومن خلال مزيد من التقصي، يتوصل باتلر إلى أنّ المبنيين المربّعين أقيما على «أفضل طراز كلاسيكي حوراني»، وأنه سرعان ما اتضح له أن معبدين وثنيين صغيرين كانا قد دُمجا لاحقاً لتشكيل كنيسة مسيحية، تحوّلَت في زمن زيارته إلى «مقر للإقامة والمخزن والإسطبل للشيخ الدرزي».
الفروق بين المعبدين وأهمية التفاصيل المعمارية
يلفت باتلر إلى نتيجة يصفها بأنها «مثيرة للغاية» عند تمثّل المخطط الكامل للمجمع، إذ يتبيّن أن المعبد الأصغر يمتلك ترتيباً واسع النطاق (من حيث الامتداد الطولي)، في حين أن المعبد الأكبر له ترتيب على نطاق أصغر، بحيث يصبح الأول أطول من الثاني. وتُعتبر التفاصيل الصغيرة والمعالجات الدقيقة في هذه المباني ذات أهمية استثنائية في نظر باتلر، ولا سيما أنّ «بقايا المعبد الغربي تقدّم أغنى ما تم العثور عليه من تفاصيل في معالجة المداميك الأساسية في أي مبنى في حوران».
العناصر المنحوتة والكسور المعمارية المكتشَفة
يتحدث باتلر عن وجود «أعداد كبيرة من الكسر المنحوتة» المنتشرة في الموقع، ويرى أنّ اثنتين منها تستحقان ذكراً خاصاً:
الأولى: عتبة البوابة الرئيسة للكنيسة، وهي جزء من إفريز منحوت مزخرف، يشبه الإفريز المعروف في معبد الصنمين، ويرجّح باتلر أن يكون في الأصل إفريزاً لأحد المعابد المحلية في الموقع نفسه.
الثانية: جزء من نحت نافر (روليف) صغير ذي جاذبية خاصة، ما يزال يحافظ على رأسين وعلى جزء من جسد واحد، مدمجين ضمن كتلة زخرفية من أوراق العنب والثمار، وهو ما يعكس حضوراً لافتاً للزخرفة النباتية ذات الرمزية الدينية والطقسية في ذلك العصر.
ويخلص باتلر إلى أن مياماس، شأنها في ذلك شأن قرية الصنمين، «تستحق ما يلزم من كلفة وجهد لتنفيذ كشف شامل بالكريكات والمجارف، بهدف إلقاء مزيد من الضوء على تاريخ الفن في سورية خلال الفترة المبكرة من الإمبراطورية الرومانية»، مستشرفاً بذلك القيمة العلمية الكبيرة التي قد يضيفها التنقيب المنهجي في هذا الموضع الصغير ظاهراً، والعميق دلالةً في تاريخ العمارة الدينية في حوران.
الإشارات النبطية في الموقع ودورها
من الملاحظات المهمة التي يوردها باتلر – والمشار إليها في هذا النص – أنه ذكر أنّ قواعد الأعمدة في الموقع ليست منحنية، بل متعددة الأضلاع، وهو ما يقرّبه من القوالب النبطية المعروفة في عمارة الجنوب السوري والمناطق المتاخمة. كما يشير إلى وجود سطر من نقش نبطي محطم في الموقع، ما يعزّز فرضية أن للموقع دوراً نبطياً بارزاً، سواء في إحدى مراحله المبكرة أو في تشكيل ذائقته الزخرفية والإنشائية، ضمن تداخل واضح بين التقليد الحوراني المحلي والتقليد النبطي من جهة، والعمارة الرومانية–البيزنطية من جهة أخرى.
ملاحظات منهجية حول النص والترجمة
يجدر التنويه إلى أن النص الحاضر يمثّل اختصاراً وإعادة تنظيم لأهم ما ورد عن مياماس في نص باتلر، مع الحفاظ على جوهر وصفه المعماري وملاحظاته الزخرفية، وقد تمّ اختيار المقتطفات الأكثر صلة بالمجمع الديني موضوع البحث.
خاتمة
يقدّم مجمع مياماس الديني نموذجاً فريداً لتطوّر الفضاء المقدّس في جنوب سورية، من معبدين وثنيين على الطراز الكلاسيكي ذو التأثير النبطي، إلى كنيسة بازيليكية مسيحية أعادت توظيف البناء الوثني واحتوته ضمن مخطّط جديد. وتتضافر المعطيات المعمارية والزخرفية والنقوش النبطية المُشار إليها، مع شهادة باتلر الميدانية، لتدل على موقع ذي أهمية خاصّة في دراسة تحوّلات العمارة الدينية في حوران، خلال القرون الأولى من العهد الروماني وحتى العصور المسيحية المبكرة. ويبدو أن تنفيذ مشروع تنقيب أثري علمي ومنهجي في مياماس بات اليوم ضرورة ملحّة، ليس فقط من أجل الكشف عن الفسيفساء والعناصر المعمارية المطمورة، بل أيضاً لإعادة إدراج هذا الموقع في خريطة الأبحاث المتخصّصة بتاريخ العمارة والفنون في السويداء وجنوب سورية.
المصدر الرئيس:
Howard Crosby Butler, Ancient Architecture in Syria, in: Publications of the Princeton University Archaeological Expeditions to Syria in 1904–1905 and 1909, Division II, Section A: Southern Syria (Leiden, E.J. Brill).

للاقتباس
الحجلي، وضاح. (2026). آثار مياماس بريف السويداء: التحول من معابد وثنيّة إلى كنيسة مسيحيّة. مجلة السويداء الفكرية الرقمية، 1(3). https://doi.org/10.5281/zenodo.19422896