غزوة السويداء، يوليو 2025، بلسان ضحاياها
محرر المجلة
في سياق السعي الدؤوب لحماية الذاكرة الجمعية وتفكيك الروايات القاصرة، يستضيف قسم “مكتبة السويداء” في هذا العدد كتاب الطبيبة والروائية نجاة عبد الصمد: “غزوة السويداء، يوليو 2025، بلسان ضحاياها”.
الكتاب ليس مجرد تدوين تاريخي، بل هو وثيقة حقوقية وأخلاقية تُعير فيها الكاتبة صوتها وقلمها للضحايا والشهود، لتضع تصريحات السلطة المؤقتة في خانة المساءلة الفكرية والقانونية. نترككم هنا مع مقدمة الكتاب كاملة كما خطّتها بقلمها، كإطلالة أولى على هذا العمل التوثيقي الاستثنائي:
مقدمة الكتاب: بقلم نجاة عبد الصمد
ما بين 13 و20 تموز/ يوليو 2025، وتحت مسمّى (فضّ الاشتباك بين البدو والدروز)، اقتحمت قوات وزارتي الدفاع والداخلية السورية السويداء بحملة عسكرية تتقدمها الدبابات والمدافع وصواريخ غراد. وأعقبتها فزعة العشائر من مختلف أنحاء سورية، وجماعات عشائر من خارجها، بسلاحها الفردي من رشاشاتٍ وسواطير ومقصات..
سُيّرتْ هذه الحملة في عهد الرئيس السوريّ المؤقت أحمد الشرع، المكنّى سابقاً “أبو محمد الجولاني”، (زعيمٌ سابق لجبهة النصرة، الفرع السوري لتنظيم القاعدة، ومصنّفٌ كإرهابيّ). ووفق سردية سلطته المؤقتة؛ وقعتْ خلالها (أخطاءٌ وتجاوزاتٌ فردية).
في هذا الكتاب تعريفٌ مكثّفٌ بـ السويداء؛ تاريخ مجتمعها ذي الأغلبية الدرزية، علاقتها بالحكومات المتعاقبة على سورية منذ نشوئها كدولةٍ وطنية، والعلاقة ما بين البدو والدروز داخلها، وصولاً إلى إزاحة الأسد وتنصيب الشرع نفسه رئيساً مؤقتاً، ثم عرضٌ لهذه الحملة العسكرية، بسياقها السياسي والاجتماعي والعسكري، وبتسلسلها الزمني من التخطيط حتى التنفيذ. ثم شهادات أهالي السويداء بما فعلت الحملة بهم، وأسئلتهم:
هل أفعال انتهاك الكرامة الجمعية، ومجازر الإعدام الميدانيّ العشوائيّ، وقتلُ أطفالٍ واغتصاب نساء وحرق شيوخٍ دروز في بيوتهم، والخطف والتهجير، وحرق المساكن وبيوت العبادة ومنظومة الخدمات والمرافق والثروة الزراعية، والشحن الطائفي السابق للحملة، ثم الحصار والتجويع اللاحق؛ هل هذه كلها أخطاء وتجاوزاتٌ فردية؟! وهل تصحّ مقاربتها كحوادث منفصلة؟!
شهادات الأهالي تضع تصريحات السلطة المؤقتة في خانة المساءلة، ومعاً نحاول تفكيك وصفها القاصر لما حدث على أنه أخطاءٌ فردية أو حوادث منفصلة، نكشف سياقات الحملة وأنماطها المتكررة في كل بيتٍ وقريةٍ وحيٍّ في المدينة، كمنظومة أفعالٍ مادية منظّمة ومترابطة، بمنهجٍ مخطّطٍ ومتكامل، ينافي سياسات الدولة الوطنية وتدابيرها، ويكشف ملامح حربٍ عقائدية تكفيرية، تخطّط لإبادة جماعةٍ بشرية كاملة، بتدميرها كليّاً أو جزئيّاً، ما يمكن للضحية أن تبني عليه قضيةً قانونية حقوقية متكاملة.
فعل التوثيق أمانةٌ ثقيلة، لكنّ الصمت أثقل منها.
أنا، صاحبة هذا الكتاب الذي يلتحق بأخوةٍ سبقوه: “غورنيكات سوريّة” و”في حنان الحرب” و”منازل الاوطان”، وثّقتُ فيها حال الإنسان السوريّ بعين الأدب، منذ انطلاقة الثورة السورية السلميّة عام 2011، ثم تحوّلها على يد نظام الأسد والتنظيمات الإسلامية إلى ساحة حربٍ نهشتْ روح البلاد واخترقتْ قلوب الناس بجراحٍ مقيمة، أوجاعُها تتخطّى اللغة، ولا تُبقي لي أكثر من محاولات التعبير عنها بالكلمات.
استُبدِل الأسد بالشرع، ولم يتوقف القتل. فقط تبدّلت الأمكنة وهوية الضحايا، وأنا ما أزال في مكاني، إلى جانب الضحية، لكنّ إعداد هذا الكتاب كان أصعب تجاربي في الكتابة حتى اليوم.
وإن استنزفتني هذه الشهادات، كجراحٍ مفتوحة، فكلفتها عليّ أهون مما لو جاء أصحابها في منامي معاتبين أو مؤنّبين على صمتي، أو رموا نظرة سخطٍ وعادوا إلى سماواتهم لإكمال حيواتٍ بترها القتلة، بينما نحن صامتون أو مُنكرون لكارثيّة ما حصل.
بإيماني أنّ الدم أغلى من كل سلطة، ومن كل جغرافيا سياسية ترسم حدودها بالدم، بخياري القيميّ والأخلاقيّ والإنسانيّ، وبالسلاح الوحيد الذي تعلّمتُ القبض على زناده؛ أتخفّى خلف الضحايا، أعيرهم صوتي وقلمي وهم يروون عما رأته أعينهم وسمعته آذانهم وانتقش على أجسادهم، ثقوبا وجراحا. وليت هذا الكتاب يتسع لاحتواء كل صوتٍ وكل أسىً يحمله.
بالإصغاء نحاول فهم ما حدث، نُسمّي كل فعلٍ باسمه الصريح، ونُسمّي الفاعل، ونعتذر لأرواح أبرياء قُتلوا في بيوتهم، ونعتذر لأمهاتهم وأمهاتهن، لآبائهم وآبائهن، لزوجاتهم وأزواجهن، لأطفالهم/ن ولإخوتهم/ن، لكل من فقد عزيزاً لم يكن مجرّد رقم، كان له اسمٌ ووجهٌ وذاتٌ وحكايةٌ وذاكرة، نحرس آلام سرديته، نحميها من النسيان، ومن الانهزام أو الاندثار تحت سردية القاتل.
نروي سرديتنا لا لنندب, بل لأنّ الصمتَ عن الجرائم يسمح بتكرارها، وإنكارُها يعمّق الجراح التي تتحول بدورها إلى مصنعٍ لإعادة إنتاج الحروب وأهوالها.
نرويها لنُحسن إدارة مظلوميةٍ وقعت، ولنحمي هويّتنا الجمعية، ونخطو في طريقنا إلى العدالة ومحاكمة المجرمين.
وأياً تحوّل مصير السويداء الجيوسياسيّ بعد حملة منتصف تموز 2025 عليها، فغاية هذا الكتاب توصيفٌ، فحسب، لأسبوعٍ دامٍ ودامغٍ في تاريخها، وتوثيقٌ يبقى لأبناء مجتمع السويداء وأحفاده، وسوريا، والعالم.
أشكر كل من ساعدني، وهم أكثر من أن أحصيهم، قدّموا لي بياناتٍ ووثائق وتسجيلاتٍ ومقاطع مصوّرة وتقارير وإحصاءات، وزودوني بملاحظاتٍ مهمة. ولضمان الموثوقية، تحقّقت منها ما استطعتُ، واستندتُ إلى تقارير وسائل الإعلام المؤرّخة، المحلية والعربية والدولية، المكتوبة منها والمصوّرة، وتقارير المنظمات الأممية والدولية، لأدرجها في سياقٍ منتظم.
أخصّ الشهود بفائض الشكر على ألمٍ تكبّدوه وهم يستعيدون بالروي مآسيهم الخانقة! معظمهم طلبوا عدم إدراج أسمائهم خوفاً من عقابٍ أو انتقام، من قِبل السلطة أو سواها، قد يطالهم شخصياً أو يمتدّ إلى عائلاتهم، وعلى الأخصّ إلى أولادهم.
لن أستغني هنا عن ذكر أنني أعرف كثيرين من الشهود شخصياً، لكوني اشتغلتُ طبيبةً نسائية في السويداء لمدة 25 عاماً، وعلى صلةٍ مباشرةٍ أو متعدّية بعائلاتها. أجريتُ مقابلاتي معهم/ن بجلساتٍ صوتيّةٍ أو مصوّرة، لشهور، ابتداء من الأيام التالية للمجزرة، بعضها نُشر في مواقع عربية وتُرجم إلى لغاتْ عدّة، وأُدرِج في محاضر تحقيق اللجان الدولية. بيانات الشهود محفوظةٌ عندي، الاسم والجنس والعمر ودرجة التعليم والعمل ومكان الإقامة وتاريخ الإدلاء بالشهادة، وسوف أشير إلى المعلومات الواجبة منها في مكانها داخل فصول هذا الكتاب.
معهم/ن أستعين بقول جان بول سارتر: “الفضل يعود لأولئك الذين اختاروا أن يقولوا: لا! حتى عندما يعلمون أن لا شيء سيتغيّر غدًا.”
صديقي الإنسان؛
على الأقل حدّق في المجزرة وفكّر في: كيف لا تحدث مرّةً أخرى!
نجاة عبد الصمد