Swaida Magazine Logo

حوار مع البروفيسور د. رياض العيسمي

مقدمة تحريرية

في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، وما يرافقها من إعادة تشكيل لموازين القوى وتبدّل في أنماط التأثير الدولي والإقليمي، تزداد الحاجة إلى قراءات تحليلية تتجاوز التناول الظرفي للأحداث، نحو مقاربات تفسيرية تربط بين البُنى التاريخية والوقائع الراهنة. ومن هذا المنطلق، تأتي هذه المقابلة ضمن قسم الحوارات المعرفية المعمّقة في مجلة السويداء الفكرية، بوصفها مساحة حوارية تستضيف باحثين وخبراء لتقديم رؤى تحليلية تستند إلى خبرة علمية وتفكير نقدي متماسك.

تنطلق المجلة، بصفتها منصة بحثية–صحفية متعددة اللغات، من هدف يتمثل في إنتاج معرفة رصينة وقابلة للتداول، تجمع بين معايير النشر الأكاديمي وأسلوب العرض الصحفي. وفي هذا الإطار، يُقرأ هذا الحوار مع البروفيسور رياض العيسمي، مؤلف كتاب «الولايات المتحدة ومآلات الصراع على الشرق الأوسط»، كمساهمة في فهم موقع السويداء ضمن شبكة أوسع من التفاعلات الجيوسياسية، وليس بوصفها حالة محلية معزولة.

تتعامل هذه المقابلة مع السويداء باعتبارها نموذجاً مصغراً لتقاطعات المحلي بالإقليمي والدولي، حيث تتداخل اعتبارات الجغرافيا السياسية مع التحولات الاجتماعية الداخلية، وتنعكس سياسات القوى الكبرى في تفاصيل الواقع اليومي. ومن خلال هذا الحوار، يتم استحضار البعد التاريخي للتدخلات الدولية في المنطقة، كما يطرحه العيسمي، بوصفه مدخلاً تفسيرياً لفهم الحاضر واستشراف مسارات المستقبل.

تسعى أسئلة المقابلة إلى تفكيك عدد من القضايا المركزية، من بينها موقع السويداء في خرائط الصراع، طبيعة الفاعلين المحليين وتحولاتهم، دور النخب الثقافية، وإمكانات الفعل في ظل قيود بنيوية معقدة. وهي بذلك لا تهدف إلى تقديم خلاصات نهائية، بقدر ما تفتح مجالاً لنقاش تحليلي يستند إلى الحجة ويحتمل تعدد المقاربات.

تنشر هذه المقابلة على جزأين، نظراً لتشعّب محاورها واتساع نطاقها التحليلي، على أن يُستكمل الجزء الثاني في العدد القادم من المجلة، بما يتيح متابعة أعمق للأسئلة المرتبطة بالسيناريوهات المستقبلية وإشكاليات الفعل السياسي والمجتمعي في السويداء.

أولاً: أسئلة تمهيدية 

  1. صدر لكم مؤخراً كتاب «الولايات المتحدة ومآلات الصراع على الشرق الأوسط: التنافس الجيوستراتيجي والنظام العالمي الجديد»، الذي يتناول بالتحليل دور القوى الدولية في تشكيل مسارات المنطقة، ويعتمد مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين التاريخ والسياسة والجغرافيا والاقتصاد ضمن إطار تحليلي واستشرافي. في هذا السياق، كيف يمكنكم تقديم الخلفية الفكرية والمنهجية التي انطلق منها هذا العمل، وما أبرز الإشكاليات التي سعى إلى معالجتها، ولا سيما في ما يتعلق بفهم الصراع على الشرق الأوسط بوصفه جزءاً من تحولات أوسع في النظام الدولي؟

في البداية، أود أن أشكرك أستاذ نورس على اختيارك لي لإجراء هذه المقابلة مع مجلتكم الوليدة، مجلة السويداء الفكرية، والتي أتمنى لها الاستمرار والنجاح في تحقيق الأهداف المرجوة منها. وبمجرد اختياركم لي، أعدّ ذلك تشريفاً. كما أرى أن المجلة تتوجه إلى النخب الفكرية والثقافية سعيا إلى تفسير ما يجري من أحداث في السويداء والمنطقة والإقليم والعالم، من خلال مقاربة فكرية، علمية، ومنهجية.

وأود أيضاً أن أشكركم على اختيار كتابي «الولايات المتحدة ومآلات الصراع على الشرق الأوسط» كنقطة انطلاق لهذا الحوار، إذ يمثل هذا العمل، في تقديري، محاولة لصياغة إطار فكري وبحثي للتعامل مع الأحداث والظواهر الجارية في المنطقة، واستشراف مستقبلها ومآلات الصراع فيها وعليها.

كما أود هنا أن أشير الى أن عنوان الكتاب الكامل “الولايات المتحدة ومألات الصراع على الشرق الأوسط: التنافس الجيواستراتيجي والنظام العالمي الجديد” يعكس بحد ذاته الفكرة الأساسية التي يقوم عليها الكتاب. فعندما نتحدث عن “مآلات الصراع على الشرق الأوسط”، فإننا نشير إلى أن الصراع لا يدور داخل المنطقة فحسب، بل هو صراع عليها أيضا، وتشارك فيه قوى دولية متعددة، تتقدمها الولايات المتحدة، في مواجهة قوى أخرى تسعى بدورها إلى توسيع نفوذها في المنطقة.

أما الإشارة إلى “التنافس الجيوستراتيجي والنظام العالمي الجديد”، الجزء الثاني من العنوان، فهي تعبر عن الاستنتاج النهائي الذي يقدمه الكتاب، ومفاده بأن مآلات هذا الصراع ستقود إلى شكل من أشكال التنافس الجيوستراتيجي على الشرق الأوسط، وأن هذا التنافس سيكون أحد العوامل المؤثرة في تشكّل نظام عالمي جديد. وبذلك، يمكن القول إن الكتاب يسعى إلى تقديم قراءة تحليلية ترى في الصراع على الشرق الأوسط جزءاً من تحولات أوسع في بنية النظام الدولي، وليس مجرد نزاع إقليمي محدود.

إن الدافع الأساسي لتأليف هذا الكتاب ينطلق من مجموعة من الاعتبارات العلمية والمنهجية المرتبطة بخلفيتي العلمية والأكاديمية. أنا حاصل على درجة ماجستير في علوم التربية الاجتماعية. وهي العلوم التي تقوم على أربعة محاور رئيسية تتمثل في الاقتصاد، والسياسة، والتاريخ، والجغرافيا. وهذه العلوم، وإن كانت تُدرّس بصورة منفصلة، إلا أنها في حقيقتها مترابطة ترابطاً وثيقاً بالإنسان بوصفه الفاعل الأساسي في صناعة الأحداث.

وانطلاقاً من هذا الفهم، فإن العلوم الإنسانية لا يمكن النظر إليها كأقسام معزولة، بل كمنظومة متكاملة تشبه من حيث التمثيل بنية قائمة على أعمدة متعددة ترتكز على قاعدة معرفية واحدة. وفي هذا السياق، تُعد الفلسفة بمثابة الأرضية المرجعية التي تقوم عليها بقية العلوم، باعتبارها الإطار العام الذي ينظم التفكير الإنساني، وتنبثق عنها علوم أخرى مثل علم المنطق، الذي يُعد من أوائل العلوم التي انفصلت عن الفلسفة، إلى جانب علم النفس الذي تطور لاحقاً ضمن مسار استقلال العلوم.

ومن هنا، فإن هذا الكتاب لا يُصنّف بوصفه عملاً سياسياً صرفاً، بل هو عمل ينتمي إلى العلوم الاجتماعية، ويعتمد مقاربة تحليلية شاملة تتجاوز الاختزال الشائع للسياسة بوصفها ممارسة معزولة، لتؤكد أنها علم قائم بذاته، يرتبط ببقية العلوم الإنسانية ويتأثر بها ويؤثر فيها في آن واحد. وهذا التصور كان أحد الدوافع الأساسية التي دفعتني إلى معالجة موضوع الكتاب بهذه الطريقة، أي عبر مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين التخصصات المختلفة في إطار واحد.

إلى جانب ذلك، يستند هذا العمل إلى اعتماد المنطق الاستدلالي بوصفه أداة تحليل رئيسية، وهو المنطق الذي يقوم على مبدأ العلاقة بين المقدمات والنتائج، حيث تقود المقدمات الصحيحة إلى نتائج منطقية قابلة للتفسير والتحليل. هذا المنهج، الذي يعود في أصوله إلى الفلسفة الأرسطية، يقوم على فكرة أن الأحداث لا تقع بمحض الصدفة، بل ترتبط بسلسلة من الأسباب التي تؤدي إلى نتائج محددة، حتى وإن كانت هذه الأسباب غير مرئية أو غير مدروسة بشكل كافٍ في بعض الأحيان.

كما ويرتبط هذا التوجه المنهجي بخلفية أخرى تتمثل في دراستي في برنامج الدكتوراه في مجال تكنولوجيا التعليم، والذي يعتمد في جوهره على مبادئ التخطيط الاستراتيجي. يقوم هذا التخطيط على تحديد الأهداف انطلاقاً من الاحتياجات، ثم وضع الوسائل والخطط اللازمة لتحقيق هذه الأهداف ضمن إطار زمني محدد، مع إمكانية قياس النتائج وتقييمها. ويمكن تشبيه ذلك بمبدأ علمي معروف في الفيزياء، حيث تؤدي العلاقة بين المتغيرات إلى نتائج يمكن التنبؤ بها، وهو ما يعزز فكرة وجود علاقة منظمة بين السبب والنتيجة في تحليل الظواهر.

وبالاستناد إلى هذا المنهج، يعتمد الكتاب على مفهوم التفكير الاستراتيجي الذي يقوم على مجموعة من الأسئلة الأساسية، من بينها: أين نحن الآن؟ كيف وصلنا إلى هذا الواقع؟ إلى أين نتجه؟ وكيف يمكن الوصول إلى الأهداف المرجوة في الوقت المناسب؟ وما هي البدائل الممكنة في حال عدم تحقق هذه الأهداف؟ هذا النوع من التفكير لا يكتفي بتحليل الواقع الراهن، بل يسعى إلى استشراف المستقبل بناءً على فهم دقيق للمسار التاريخي والتراكمات التي أدت إلى هذا الواقع.

أما فيما يتعلق بصلته بالسويداء، فإن هذا المشروع الفكري لا يتعامل مع الحالات المحلية بمعزل عن السياق الأوسع، بل يضعها ضمن إطار تراكمي تاريخي وجيوسياسي يشمل التحولات التي شهدتها المنطقة منذ بدايات القرن العشرين، مروراً بمراحل الاستعمار الأوروبي، والحربين العالميتين، فالحرب الباردة، وصولاً إلى النظام الدولي المعاصر. وبناء على هذا المنطلق، فإن ما تشهده السويداء اليوم لا يمكن فصله عن هذه التراكمات، بل ينبغي فهمه بوصفه جزءاً من منظومة أوسع من التفاعلات الإقليمية والدولية التي تشكلت عبر الزمن.

وعليه، فإن صلة هذا المشروع الفكري بالسويداء تكمن في كونه يوفر إطاراً تحليلياً يساعد على قراءة الواقع الحالي ضمن سياقه التاريخي والاستراتيجي الأوسع، بما يتيح فهماً أعمق لطبيعة التحولات الجارية، وحدود الفعل المحلي في ظل التداخل بين العوامل الداخلية والخارجية، وهو ما يشكل في النهاية أحد الأهداف الأساسية التي سعى إليها هذا الكتاب.

  1. اعتمدتم في الكتاب على تتبّع تاريخي طويل للتدخلات الدولية في المنطقة، من الاستعمار الأوروبي إلى السياسات الأميركية المعاصرة، ضمن مقاربة تحليلية تستند إلى قراءة تراكمية للأحداث وربطها بسياقاتها الزمنية والجيوسياسية. في هذا الإطار، كيف وظفتم المنهج التاريخي التحليلي في فهم التحولات الدولية والإقليمية، وما الإضافة التي يتيحها هذا المنهج في تفسير الواقع السوري، ولا سيما في السويداء، ضمن منظور يربط بين الماضي والحاضر واستشراف المستقبل؟

ينطلق المنهج الذي اعتمدته في هذا الكتاب من مقاربة تاريخية تحليلية تقوم على تتبّع مسار التدخلات الدولية في الشرق الأوسط عبر فترة زمنية طويلة، تمتد لما يقارب مئة عام، بدءاً من الحرب العالمية الأولى واتفاقية سايكس–بيكو، ووصولاً إلى المرحلة الراهنة. وقد ساعدني هذا الامتداد الزمني في النظر إلى الأحداث الجارية ليس بوصفها وقائع منفصلة، بل كجزء من سياق تاريخي متكامل متسلسل تحكمه أنماط وتكرارات سلوكية يمكن رصدها وتحليلها.

فالتاريخ، وفقا لهذه المنهجية، لا يُفهم كمجرد سرد لأحداث متتابعة، بل باعتباره نتاجاً لتفاعلات مرصودة وقعت في زمان ومكان محددين، تتغير مع تغير الظروف، لكنها كثيراً ما تحتفظ ببعض أنماطها، خاصة فيما يتعلق بسلوك القادة وصنّاع القرار. وعملية تحليل هذا البعد السلوكي تتيح فهماً أعمق لكيفية تشكّل الأحداث، وتساعد في تفسير أوجه التشابه بين مراحل تاريخية مختلفة.

ووفقا لهذا المنطلق، تعاملت مع الفترة الممتدة من عام 1914، أي بداية الحرب العالمية الأولى، حتى عام 2014، بوصفها مرحلة تاريخية متكاملة. وهي المرحلة التي بدأت مع سقوط الدولة العثمانية ودخول القوى الاستعمارية، ولا سيما بريطانيا وفرنسا، إلى المنطقة وفق ترتيبات سايكس–بيكو، واستمرت عبر تحولات كبرى شملت الحرب العالمية الثانية، ثم الحرب الباردة، وصولاً إلى مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

أما نهاية هذه المرحلة، فأراها مرتبطة بتحولات مفصلية، في مقدمتها ما عُرف بالربيع العربي، الذي تزامن مع وصول الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى السلطة في الانتخابات الرئاسية لعام 2008، حاملاً معه شعار “التغيير”، في محاولة للانتقال من نمط تاريخي قائم على الحروب الكبرى إلى مقاربة مختلفة في إدارة الصراع بالطرق السلمية. غير أن هذه المرحلة الانتقالية لم تكتمل كما كان متوقعاً، بل أفضت إلى تعقيدات جديدة.

وقد تجلّى التحول البنيوي بشكل أوضح في عام 2014، مع بروز أحداث ذات دلالة استراتيجية، مثل تدخل روسيا في أوكرانيا وضمّ شبه جزيرة القرم، بالتوازي مع انطلاق الحرب الدولية ضد تنظيم “داعش”. وهذه التطورات تعكس، في تقديري، انتقالاً من مرحلة تاريخية إلى أخرى، حيث لم تعد البُنى السابقة قادرة على استيعاب حجم المتغيرات المستجدة.

وانطلاقاً من ذلك، أتعامل مع التاريخ بوصفه سلسلة من المراحل، لكل مرحلة خصائصها ومعطياتها التي تميزها. تبدأ المرحلة بأحداث كبرى، وتنتهي أيضاً بأحداث كبرى تتجاوز قدرة بنيتها على الاستيعاب، ما يؤدي إلى تفككها وفتح المجال أمام تشكّل مرحلة جديدة.

إن التعامل مع هذا المنهج التاريخي لا يهدف فقط إلى فهم الماضي، بل يتيح أيضاً قراءة الحاضر بطريقة أعمق. فمن خلاله، يمكن تفسير ما يجري في سوريا عموماً، وفي السويداء خصوصاً، بوصفه جزءاً من تحولات أوسع تتعلق بطبيعة الصراع على المنطقة، وبإعادة تشكّل موازين القوى على المستويين الإقليمي والدولي. وبالتالي، فإن فهم هذه الخلفية التاريخية يسهم في إدراك حدود الفعل المحلي، كما يساعد في استشراف المسارات المحتملة للمستقبل.

يقوم هذا المنهج على تصور سببي لتفسير مسار الأحداث التاريخية والسياسية، إذ ينطلق من فكرة أن الظواهر لا يمكن فهمها بمعزل عن أسبابها، وأن كل نتيجة هي حصيلة لمقدمات سابقة، حتى وإن لم تكن هذه المقدمات ظاهرة أو مدروسة بدقة. ووفق هذا المنظور، فإن قراءة التاريخ لا تتم بوصفه مجموعة من المصادفات، بل كسلسلة مترابطة من العوامل التي تتفاعل ضمن سياقات زمنية وجيوسياسية محددة.

وفي هذا الإطار، يُشار إلى أن النظام الدولي الذي نشأ عقب الحرب العالمية الثانية قد تأسس بناء على توازنات فرضتها القوى المنتصرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، من خلال مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن. غير أن التحولات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، ولا سيما صعود الولايات المتحدة كقوة أحادية القطبية، أفرزت واقعاً جديداً استدعى، من منظور تحليلي، إعادة النظر في بنية هذه المؤسسات وتوزيع التمثيل داخلها، خاصة مع بروز قوى اقتصادية وسياسية جديدة مثل ألمانيا واليابان والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا، والتي لم تعد أدوارها تتناسب بالضرورة مع التمثيل التقليدي القائم.

وفي مقابل ذلك، اتجهت الولايات المتحدة إلى ترسيخ موقعها القيادي عبر تبني نهج يقوم على توسيع نفوذها العالمي، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وهو ما تجلى في عدد من التدخلات الدولية، من بينها حرب الخليج الثانية بعد غزو العراق للكويت، والتي شكلت اختباراً عملياً لقدرتها على حشد تحالف دولي واسع وإظهار تفوقها العسكري في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. كما وبرز هذا النهج أيضاً في سياق ما بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث أدت تلك التطورات إلى تدخلات عسكرية واسعة في أفغانستان والعراق، وما ترتب عليها من إعادة تشكيل لميزان القوى في العالم.

أما على المستوى الإقليمي في الشرق الأوسط، فإن هذا التحليل يربط بين استمرار بعض الكيانات السياسية، وفي مقدمتها إسرائيل، وبين طبيعة التوازنات الدولية والإقليمية التي نشأت بعد الحربين العالميتين، حيث يُنظر إلى نشوء هذه الدولة واستمرارها ضمن سياق تاريخي معقد ارتبط بتلك التحولات الكبرى. ويستند هذا التصور إلى فكرة مفادها أن بقاء أي كيان سياسي وليد أو زواله يرتبط بمدى توافقه مع البيئة الاستراتيجية المحيطة به، ومع مصالح القوى الفاعلة في النظام الدولي.

وانطلاقاً من المبدأ السببي ذاته، يتم تفسير عدد من التطورات المعاصرة في المنطقة على أنها امتداد لسلسلة من الأحداث المترابطة؛ إذ تُفهم الأزمات الإقليمية، بما في ذلك ما شهده العراق بعد غزوه للكويت، أو ما أعقب هجمات 11 سبتمبر، أو التصعيد الناتج عن أحداث 7 أكتوبر، باعتبارها حلقات ضمن مسار تراكمي من التفاعلات السياسية والأمنية التي أسهمت في تشكيل الوضع الراهن، وأثرت بشكل مباشر في مسارات الاستقرار أو الصراع في الإقليم.

وبناءً عليه، يقدم هذا المنظور قراءة تفسيرية تعتبر أن فهم الواقع الحالي، سواء على مستوى السويداء أو على مستوى الإقليم والعالم، يقتضي تتبع الجذور التاريخية والسياسية للأحداث، وتحليل الترابط بين أسبابها ونتائجها ضمن سياق أوسع من التحولات في بنية النظام الدولي.

وفي سياق تطبيق هذا المنهج على التطورات الإقليمية المعاصرة، يمكن النظر إلى أحداث 7 أكتوبر بوصفها جزءاً من سلسلة أوسع من التحولات التي تشهدها المنطقة، وليس حدثاً معزولاً بذاته. فوفق المقاربة السببية التي يقوم عليها التحليل، تُفهم هذه الأحداث باعتبارها حلقة ضمن مسار تراكمي من التفاعلات السياسية والأمنية التي تسهم في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، وإعادة ترتيب أولويات الفاعلين الدوليين والإقليميين.

وانطلاقاً من هذا الفهم، لا يمكن قراءة النتائج المترتبة على هذه الأحداث بمعزل عن سياقها الأوسع، بل من خلال وضعها في إطار ديناميات إعادة التموضع الاستراتيجي للقوى الفاعلة في المنطقة، بما في ذلك محاولات تقليص أو إعادة توزيع نفوذ بعض الأطراف الإقليمية، وإعادة تعريف أدوارها ضمن التوازنات الجديدة. وفي هذا السياق أيضا، تندرج التحولات المرتبطة بسوريا، ضمن هذا الإطار العام، باعتبارها ساحة تتقاطع فيها اعتبارات جيوسياسية متعددة، نظراً لموقعها الجغرافي ودورها التاريخي كنقطة وصل بين عدة أقاليم ومناطق استراتيجية.

وعليه، فإن تفسير ما يجري في سوريا، ولا سيما في السويداء، لا يمكن فصله عن هذه التحولات الكبرى، بل ينبغي فهمه بوصفه انعكاساً لتداخل المستويات المحلية والإقليمية والدولية، حيث تؤثر التحولات في بنية النظام الدولي ومسارات الصراع الإقليمي بشكل مباشر على طبيعة التوازنات الداخلية، وعلى حدود الفعل المحلي وقدرته على التأثير في مسار الأحداث.

3. ما هي الفرضيات الأساسية التي يعتمد عليها الكتاب في تفسير مآلات هذا الصراع، خاصة في ضوء دور القوى الدولية والإقليمية؟

يرتكز هذا العمل على مقاربة تحليلية منهجية تقوم على تقسيم الموضوع إلى جزأين رئيسيين، بحيث يعالج الجزء الأول مسألة فهم المسار التاريخي الذي أوصل إلى الوضع الراهن، في حين يتناول الجزء الثاني محاولة استشراف مآلات الصراع في الشرق الأوسط بناءً على خمس فرضيات بحثية محددة اعتمدت على مبدأ السبب والنتيجة.

ففي هذا الإطار، لا يمكن التعامل مع الصراع في الشرق الأوسط بوصفه حالة آنية منفصلة عن سياقها التاريخي، بل ينبغي قراءته كامتداد لتراكمات سياسية واستراتيجية ممتدة منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من ترتيبات جيوسياسية، لا سيما اتفاقية سايكس–بيكو، التي أسست لبنية حدودية وسياسية ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم. ومن هنا، فإن فهم “كيف وصلنا إلى هنا” يُعد شرطًا أساسيًا لفهم الاتجاهات المستقبلية، إذ لا يمكن تحليل المستقبل بمعزل عن المسار التاريخي الذي شكّله.

أما فيما يتعلق بالجزء الثاني من الكتاب، فإنه يركز على تحليل مآلات الصراع على الشرق الأوسط من خلال تقديم مجموعة من الفرضيات البحثية، حيث تم تقسيم هذا الجزء إلى خمسة فصول، يتناول كل فصل فرضية مستقلة، ولكنها مترابطة ضمن إطار تحليلي عام. وقد استندت هذه الفرضيات إلى المعطيات التاريخية التي تم تناولها في الجزء الأول، إضافة إلى خبرات وتحليلات سابقة، بما في ذلك أعمال بحثية سابقة في هذا المجال.

تعتمد هذه الفرضيات على منطق سببي تحليلي، يقوم على صياغة شروط واضحة تربط بين تحقق أو عدم تحقق نتائج معينة وبين توفر شروط سياسية واستراتيجية محددة لتحققها. فمثلًا، تنطلق إحدى الفرضيات من أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تستطيع إنهاء الصراع العربي–الإسرائيلي بصورة مستدامة إلا في حال التوصل إلى حل شامل وعادل لقضية الشعب الفلسطيني. ويُفهم من ذلك أن غياب معالجة جوهرية لهذه القضية يُبقي الصراع مفتوحًا على احتمالات إعادة الإنتاج والتجدد، مهما تبدلت موازين القوى أو تغيرت الإدارات السياسية.

وبالاستناد إلى هذا النهج، يتم التعامل مع الفرضيات الأخرى وبالمنطق نفسه، أي من خلال ربط النتائج بشروط موضوعية تتعلق بتوازنات القوى الدولية والإقليمية، وبقدرة الفاعلين الرئيسيين مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، إضافة إلى أطراف إقليمية كإيران وإسرائيل، على التأثير في مسار الأحداث. كما يُؤخذ بعين الاعتبار أن هذه القوى لا تتحرك بمعزل عن بعضها البعض، بل ضمن شبكة معقدة من التفاعلات والمصالح المتداخلة التي تحدد حدود الفعل الممكن لكل طرف.

وعليه، فإن الهدف من هذه المقاربة ليس تقديم توقعات قطعية وجازمة للمستقبل، بل تقديم إطار تحليلي يسمح بفهم الاتجاهات المحتملة للصراع، من خلال ربط الماضي بالحاضر، واستقراء المستقبل وفق منهجية قائمة على تحليل الأسباب والنتائج. ووفقا لهذا المنطلق، فإن مآلات الصراع في الشرق الأوسط تُفهم باعتبارها نتاجًا لديناميكيات تاريخية مستمرة، وليست مجرد أحداث منفصلة أو قرارات آنية، وهو ما يفرض اعتماد مقاربة تحليلية شاملة تأخذ بعين الاعتبار التداخل بين العوامل الداخلية والإقليمية والدولية.

ويتابع هذا الطرح تفصيل الفرضيات البحثية التي يقوم عليها التحليل. ويمكن توضيح ذلك من خلال الفرضية الأولى التي ترى أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تستطيع إنهاء الصراع العربي–الإسرائيلي ما لم يتم التوصل إلى حل شامل وعادل لقضية الشعب الفلسطيني. ويستند هذا الاستنتاج إلى أن الحلول المطروحة، ولا سيما حل الدولتين المعتمد على المرجعيات الدولية منذ اتفاقيات ما بعد عام 1993، والتي لم تعد قابلة للتطبيق العملي في ظل المعطيات السياسية والميدانية الراهنة. فحدود التنازلات الممكنة من الجانب الإسرائيلي هي أقل من الحدود القصوى التي يمكن أن يقبل بها الجانب الفلسطيني، الأمر الذي يجعل الوصول إلى صيغة نهائية ومستدامة أمرًا شديد التعقيد، وبما يُبقي الصراع مفتوحًا على احتمالات إعادة الحالة السببية نفسها، والتي من شأنها إعادة فرض نفس النتائج.

أما الفرضية الثانية، فتتناول العلاقة بين البرنامج النووي الإيراني والبيئة الأمنية الإقليمية، حيث تفترض أن الولايات المتحدة لا تستطيع منع إيران من امتلاك قدرات نووية طالما بقيت إسرائيل قوة نووية في المنطقة. وذلك لأن التوازنات الأمنية في الإقليم تدفع الفاعلين الرئيسيين إلى تبني خيارات ردعية تضمن بقاءهم وأمنهم الاستراتيجي. وفي هذا السياق، يُنظر إلى السلاح النووي بالنسبة لإيران بوصفه عنصر ضمان استراتيجي لبقاء الدولة وتعزيز موقعها الإقليمي، خاصة في ظل وجود قوى نووية في جوارها مثل باكستان والهند والصين وروسيا، إضافة إلى الحضور العسكري الأمريكي في مناطق قريبة، فضلاً عن إسرائيل.

وبناءً عليه، فإن معالجة مسألة الانتشار النووي في الشرق الأوسط لا يمكن أن تتم عبر استخدام أدوات عسكرية تقليدية أو حلول جزئية، بل تتطلب مقاربة شاملة تشمل إعادة النظر في مسألة التوازن النووي على مستوى الإقليم ككل، وهو أمر يظل من الصعب تحقيقه في ظل المعطيات السياسية الحالية، سواء من حيث الإرادة الدولية أو من حيث موازين القوى القائمة.

كما تشير الفرضية ذاتها إلى أن قدرة الولايات المتحدة على الحد من النفوذ الإقليمي لإيران ترتبط بشكل وثيق بإعادة بناء التوازن الجيوستراتيجي والسياسي في عدد من الدول المحورية، وفي مقدمتها العراق وسوريا. فالتطورات التي أعقبت التدخل الأمريكي في العراق وما نتج عنه من تفكيك مؤسسات الدولة، إلى جانب التحولات التي شهدتها سوريا، ساهمت في خلق فراغات استراتيجية أتاحت لإيران توسيع نفوذها الإقليمي عبر دعم حلفائها وشبكاتها في المنطقة.

وبناء عليه، فإن هذه الفرضيات مجتمعة تُظهر أن مآلات الصراع في الشرق الأوسط وعليه لا يمكن فصلها عن تفاعل معقد بين العوامل الداخلية والإقليمية والدولية، وأن قدرة أي قوة دولية على إحداث تغيير جذري تبقى مرهونة بمدى قدرتها على معالجة جذور المشكلة في التوازنات المختلة، وليس فقط التعامل مع نتائجها.

إضافة إلى ما سبق، يمكن الإشارة إلى فرضية أخرى ترى أن المنطقة الممتدة جغرافيًا بين إيران والبحر الأبيض المتوسط قد تحولت في الظروف الراهنة إلى فضاء جيوسياسي هش، يمكن وصفه بأنه منطقة فراغ أو “ثقب” بالمعنى الاستراتيجي، من حيث موائمته لاستقطاب مختلف التيارات المتشددة أو غير المستقرة. ويعود ذلك، وفق هذه المقاربة، إلى غياب دول قوية ومتماسكة بشكل كافٍ، ووجود مستويات متفاوتة من عدم الاستقرار السياسي والمؤسساتي، الأمر الذي يجعل هذه المنطقة عرضة للتجاذبات والتدخلات الخارجية. ومن هنا، تأتي فكرة أن إعادة تحقيق توازن استراتيجي في هذه المنطقة يُعد شرطًا أساسيًا لاستعادة الاستقرار فيها، وإن كان هذا التوجه لا يبدو، في الوقت الراهن، ضمن أولويات أو إمكانيات السياسة الأمريكية بالشكل الذي قد يحقق هذا الهدف بصورة مباشرة وناجزة.

وفي سياق الفرضيات المرتبطة بالتوازنات الدولية، تبرز الفرضية الثالثة التي تتعلق بالعلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا، حيث تفترض أنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تحقق انتصارًا حاسمًا أو تفوقًا استراتيجيًا في سياق الحرب الجارية في أوكرانيا وعلى المستوى الأوروبي، إلا إذا تمكنت من إدارة علاقتها مع روسيا ضمن إطار أكثر استقرارًا، سواء عبر التفاهم أو عبر إعادة ضبط قواعد الاشتباك بين الطرفين. ويُلاحظ في هذا السياق أن لروسيا حضورًا استراتيجيًا في سوريا، حيث لا تزال تسيطر على مواقع مهمة، لا سيما في الساحل السوري، الذي يُعد ذا أهمية جيوستراتيجية بالغة، سواء من حيث موقعه على البحر الأبيض المتوسط أو من حيث ارتباطه بالموارد الطبيعية، بما في ذلك احتياطات الغاز في شرق المتوسط الذي باتت تشكل عاملا أساسيا من عوامل الصراع الدولي والإقليمي المتنامي على مصادر الطاقة في المنطقة. وعليه، فإن أي مقاربة أمريكية للتعامل مع روسيا لا يمكن فصلها عن الساحة السورية، باعتبارها إحدى نقاط التماس الأساسية بين الطرفين في الشرق الأوسط.

أما الفرضية الرابعة، فتتناول العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، حيث تفترض أنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تحافظ على نفوذها الاستراتيجي الذي بنته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في مناطق شرق آسيا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين، إذا ما استمرت في الانخراط أو التمدد في ساحات أخرى، وعلى رأسها الشرق الأوسط، دون إعادة تقييم توزيع مواردها وأولوياتها الاستراتيجية. وفي المقابل، تشهد الصين توسعًا ملحوظًا في نفوذها في منطقة جنوب شرق آسيا، إلى جانب سعيها لتأمين ممرات تجارية حيوية ومناطق نفوذ ترتبط مباشرة بأمنها الاقتصادي والاستراتيجي، وهو ما يفرض على الولايات المتحدة التعامل مع هذا التحدي ضمن رؤية أوسع لتوازن القوى على المستوى العالمي.

وفي هذا الإطار، يكتسب الشرق الأوسط أهمية خاصة، نظرًا لارتباطه بمصادر الطاقة والممرات البحرية الحيوية، مثل مضيق هرمز، فضلًا عن قربه من مناطق النفوذ التقليدي للقوى الكبرى. كما أن موقعه الجغرافي، ولا سيما منطقة الخليج العربي وإيران، يجعله عنصرًا محوريًا في أي معادلة تتعلق بالأمن الطاقوي والتوازنات الدولية. وبالتالي، فإن التفاعل بين الولايات المتحدة وروسيا والصين في هذا المجال لا يمكن فهمه بشكل معزول، بل ضمن شبكة معقدة من المصالح المتداخلة، التي ستحدد في النهاية شكل النظام الإقليمي والدولي، وتؤثر بشكل مباشر في مسارات الصراع في الشرق الأوسط.

أما الفرضية الخامسة، والتي تُعد من الفرضيات المركزية في هذا الإطار التحليلي، والتي بُنيت على اعتبار أن الحرب في سوريا لم تكن مجرد صراع محلي أو إقليمي محدود، بل شكّلت إحدى ساحات التفاعل المبكر لما يمكن وصفه بصراع عالمي متعدد الأبعاد. وانطلاقًا من هذا التصور، تم اعتبار أن ما يُشار إليه بالحرب العالمية الثالثة لم يبدأ في سياق تقليدي معلن، بل تَشكّل تدريجيًا عبر سلسلة من التحولات والتدخلات الدولية التي تداخلت فيها مستويات الصراع المحلية والإقليمية والدولية.

فمن هذا المنظور، يمكن الإشارة إلى أن التدخل الروسي في أوكرانيا، ولا سيما ضم شبه جزيرة القرم، شكّل نقطة تحول استراتيجية دفعت بالولايات المتحدة إلى إعادة توجيه جزء من استراتيجيتها نحو مناطق أخرى، من بينها سوريا، بما يسمح بإدارة التوازن مع روسيا دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة معها في أوروبا. ووفق هذا التحليل، أصبحت الساحة السورية إحدى البيئات التي جرى من خلالها احتواء التنافس الدولي، بدلا أن يكون هذا التنافس مفتوحًا في الساحة الأوروبية بشكل مباشر.

وفي هذا السياق، برزت أيضًا ظاهرة تنظيمات جهادية مسلحة عابرة للحدود، مثل تنظيم داعش، والتي يمكن وضعها ضمن هذا الإطار بوصفها تضيف عناصر جديدة فاعلة في بيئة صراع معقدة بالأساس. ولهذا لا يمكن فهم نشأتها وتطورها بمعزل عن التفاعلات الإقليمية والدولية، أو عن التوازنات التي حكمت إدارة الصراع في تلك المرحلة. وقد تم التعامل مع هذه التنظيمات في بعض التحليلات كأدوات غير مباشرة ضمن بيئة تنظيم الصراع، بما يعكس طبيعة الحرب غير التقليدية التي تدور في هذه المنطقة.

كما وتفترض هذه المقاربة أن طبيعة الحرب العالمية الثالثة، في حال اعتبارها قائمة، تختلف عن الحروب العالمية السابقة من حيث الأدوات والساحات. فالتطور التكنولوجي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والحروب السيبرانية، والتقنيات الحديثة في مجالات التأثير غير المباشر، جعل من الحرب ظاهرة متعددة الأبعاد لا تقتصر على المواجهة العسكرية التقليدية. كما أن مفاهيم الردع نفسها شهدت تحولًا، حيث لم يعد السلاح النووي يُنظر إليه فقط كأداة ردع، بل كعامل ضمن منظومة أوسع من أدوات التأثير والتهديد، إلى جانب أدوات أخرى غير تقليدية.

وبناءً على هذا التصور، يُفترض أن الحرب العالمية الثالثة قد بدأت ملامحها في مناطق متعددة، من بينها سوريا منذ عام 2014، مع تصاعد وتيرة الصراع واتساع نطاقه ليشمل جبهات أخرى لاحقًا. وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى أن هناك جبهتين رئيسيتين للصراع في الوقت الراهن: الجبهة الأولى في أوكرانيا حيث يستمر التوتر بين روسيا والدول الأوروبية بدعم أمريكي، والجبهة الثانية في الشرق الأوسط حيث تتداخل فيها عدة ملفات، من سوريا إلى غزة، ووصولًا إلى إيران. ومن المتوقع، وفق هذا التحليل، أن تتبلور جبهة ثالثة محتملة في شرق آسيا، لا سيما فيما يتعلق بتايوان، وهو ما قد يفتح المجال أمام تصعيد في عملية التنافس القائمة والمتنامية بين الصين والولايات المتحدة، سواء بشكل مباشر أو عبر صيغ غير مباشرة من المواجهة.

وعليه، فإن انتهاء هذه الحرب، وفق هذه الفرضية، لا يمكن أن يتم إلا من خلال إعادة تشكيل النظام العالمي الجديد، سواء عبر توافقات بين القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، أو عبر فرض نتائج الصراع من قبل الطرف أو الأطراف الأكثر قدرة على تحقيق التفوق الاستراتيجي في الساحات الحاسمة بالقوة العسكرية. ومن هنا، تُطرح فرضية مفادها أن قدرة الولايات المتحدة على لعب دور حاسم في تشكيل هذا النظام الجديد ترتبط بشكل مباشر بمدى نجاحها في إدارة الساحات الرئيسية للصراع، وفي مقدمتها الساحة السورية والشرق الأوسط عمومًا، إلى جانب قدرتها على التعامل مع التحديات في أوكرانيا وشرق آسيا بشكل متوازن.

وبناءً على ذلك، لا تقوم هذه الفرضية على نتائج قطعية، بل على تحليل احتمالي مشروط، يقوم على منطق سببي يرى أن تحقق نتائج معينة مرهون بتوفر شروط محددة. فإذا ما تحققت هذه الشروط، يمكن أن تتجه الأحداث نحو مسارات معينة، وإذا لم تتحقق، فإن مسار الصراع سيستمر ضمن ديناميكياته الحالية دون تغيير جذري.

في ضوء ما تم طرحه من فرضيات سابقة، يمكن التأكيد على أن التحليل لم يقتصر على استشراف تطورات معزولة، بل انطلق من محاولة فهم الترابط بين مختلف الساحات التي تشهد توترات وصراعات متزامنة. فقد تم، ضمن هذا الإطار، توقع اندلاع الحرب في أوكرانيا، كما تم الإشارة إلى احتمالات التصعيد مع إيران، إلى جانب توقع استمرار الحرب في أوكرانيا واحتمال امتدادها إلى مناطق أوسع في شرق أوروبا. وبالمثل، يُنظر إلى مسألة تايوان بوصفها إحدى الساحات المحتملة التي قد تشكل، في حال تفاقم التوتر بين الصين والولايات المتحدة، جبهة إضافية ضمن ما يمكن اعتباره امتدادًا لصراع عالمي متعدد الأقطاب والأبعاد.

وفي ظل هذه التوازنات المتغيرة، والتباين في ميزان القوى بين مختلف الأطراف، سواء بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، أو بين روسيا والصين والولايات المتحدة من جهة أخرى، يمكن ملاحظة أن هذه المعادلة تدفع نحو مزيد من التقارب بين بعض الفاعلين الدوليين، وعلى رأسهم روسيا والصين، في اتجاه بناء شراكات استراتيجية مع أطراف إقليمية مثل إيران. ولا يُقصد بالشراكة هنا مجرد توافق سياسي مرحلي، بل تعاون استراتيجي طويل الأمد يقوم على مصالح متقاطعة تتعلق بالأمن، والطاقة، والنفوذ الجيوسياسي، حيث تختلف طبيعة هذا النوع من الشراكات عن التفاهمات السياسية التقليدية من حيث عمقها وامتدادها الزمني وأثرها في إعادة تشكيل التوازنات الدولية.

وينطلق هذا التصور من فرضية مفادها أن مصالح هذه القوى الثلاث، أي روسيا والصين وإيران، تتقاطع في عدم السماح للولايات المتحدة وحلفائها، وفي مقدمتهم إسرائيل، بتحقيق تفوق استراتيجي كامل في المنطقة، إذ إن تحقق مثل هذا التفوق قد يأتي على حساب أدوار ومصالح تلك القوى الأخرى في النظام الدولي والإقليمي. ومن هنا، يُنظر إلى الصراع القائم بوصفه صراعًا ذا طابع صفري في بعض أبعاده، حيث تسعى كل قوة رئيسية إلى منع الطرف الآخر من تحقيق هيمنة شاملة، بما يجعل نتائج هذا الصراع ذات طابع حاسم في تحديد شكل النظام الإقليمي والدولي في المدى المتوسط والطويل.

وبناءً على هذا الفهم، فإن المعطيات الحالية لا تقود فقط إلى تحليل الوضع القائم، بل تفتح المجال أمام بناء مجموعة من السيناريوهات المستقبلية الممكنة، سواء على مستوى منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، أو على مستوى سوريا بشكل خاص، أو حتى فيما يتعلق بمناطق محددة مثل السويداء، التي يمكن أن تتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بنتائج هذه التفاعلات الدولية والإقليمية. وتستند هذه السيناريوهات إلى الفرضيات السابقة، باعتبارها الإطار المرجعي الذي يسمح بقراءة الاتجاهات المحتملة، وربط المتغيرات السياسية والعسكرية والاقتصادية ضمن منظومة تحليلية متكاملة.

وإذا ما نظرنا إلى ما يجري في المنطقة في المرحلة الراهنة، يمكن استنتاج أن الفرضيات البحثية التي تم طرحها في هذا الإطار لا تزال تحافظ على قدر كبير من الاتساق مع الواقع العملي، حيث لم تتمكن إسرائيل، رغم مختلف المحاولات السياسية والاستراتيجية التي بُذلت، بما في ذلك تلك المرتبطة بمقاربة “السلام الإبراهيمي” أو ما عُرف بـ“صفقة القرن”، من تحقيق الأهداف المرجوة على مستوى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بالشكل الذي يفرض انتقالًا من منطق الصراع العسكري إلى منطق الاندماج الاقتصادي مقابل التنازلات السياسية، ولا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. إذ لم يتحقق حتى الآن هذا التصور على أرض الواقع، كما لا تبدو في الأفق القريب أية مؤشرات واضحة على إمكانية تحققه بالشكل الذي كان متوقعًا، وتحديدا من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى أن العلاقة مع إيران لم تكن تاريخيًا تُدار بوصفها علاقة عداء مباشر أو شراكة استراتيجية كاملة، بل اتسمت بنمط من التعايش الحذر الذي ساهم في الحفاظ على نوع من التوازن الجيوسياسي في المنطقة. غير أن التحولات الأخيرة، لا سيما ما يتعلق بالتصعيد تجاه إيران بعد أحداث السابع من أكتوبر، أدت إلى تغيير في طبيعة هذا التوازن، وأعادت تشكيل المعايير التي يتم على أساسها تقييم النجاح أو الفشل في السياسات الإقليمية والدولية، حيث لم تعد المقاييس السابقة صالحة لفهم ديناميكيات المرحلة الجديدة.

وعلى الرغم من الضغوط والتصعيد، فإن المعطيات الحالية تشير إلى عدم قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل، حتى الآن، على تحقيق هدف إنهاء القدرات النووية أو الصاروخية الإيرانية بشكل كامل. ويعزز هذا الطرح الفرضية القائلة بأن معالجة الملف النووي الإيراني بشكل جذري لا يمكن أن تتم إلا في سياق أوسع يشمل إعادة النظر في مسألة الانتشار النووي في منطقة الشرق الأوسط ككل، وهو أمر لا يبدو قابلاً للتحقق في ظل التوازنات الحالية. وبناءً عليه، يُتوقع أن تحتفظ إيران بقدراتها الاستراتيجية، بما في ذلك ما يرتبط بالقدرات النووية، سواء بشكل مباشر أو ضمني، وهو ما يكرّس موقعها كفاعل إقليمي رئيسي في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وبما ينعكس أيضًا على توازن القوى مع أطراف دولية أخرى مثل الصين وروسيا.

وبناء عليه، يمكن القول إن الفرضية الثانية التي تم طرحها لا تزال قائمة إلى حد كبير، ولم يتم دحضها بشكل علمي حتى اللحظة، وهو ما ينطبق أيضًا على بقية الفرضيات الأخرى، سواء تلك المتعلقة بالعلاقة مع روسيا والصين، أو تلك المرتبطة بالصراع في سوريا أو في الشرق الأوسط عمومًا. ففي هذا الإطار، تبدو المصالح الاستراتيجية لروسيا والصين متقاطعة مع استمرار حالة الصراع، ليس بالضرورة بهدف حسمه لصالح طرف معين، بل بما ينسجم مع استراتيجية استنزاف ممتدة تؤدي إلى تقليص قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في إدارة هذا النوع من الصراعات طويلة الأمد.

وعليه، يمكن فهم استمرار هذا الصراع بوصفه حالة توازن غير مستقر، تُسهم فيها عدة أطراف دولية وإقليمية، حيث تسعى كل قوة إلى تعزيز موقعها الاستراتيجي، في حين تعمل في الوقت نفسه على منع الطرف الآخر من تحقيق تفوق حاسم. وفي هذا السياق، قد يؤدي استمرار حالة الاستنزاف إلى إعادة توجيه الأولويات الأمريكية نحو تقليل الانخراط المباشر في الشرق الأوسط، بما يخفف من الأعباء والتكاليف المرتبطة بإدارة هذا الصراع، وهو ما قد ينعكس على شكل إعادة تموضعها الاستراتيجي على المستوى العالمي.

يتبع في العدد القادم

«نُشر بعد مراجعة وموافقة الضيف».


Swaida Intellectual Digital Magazine. (2026). Vol. 1(4). ISSN: 3099-3172 (online).