حوار مع د. خلدون النبواني
مقدمة مجلة السويداء الفكرية الرقمية
يُعدّ خلدون النبواني واحداً من أبرز الأصوات الفلسفية السورية المعاصرة، وقد اكتسب مكانته من خلال مشروع فكري يزاوج بين التفكيكية وقراءة المفاهيم السياسية الحديثة. انطلق النبواني من السويداء إلى جامعة دمشق، قبل أن ينتقل إلى السوربون حيث نال درجة الدكتوراه في الفلسفة الأوروبية المعاصرة عام 2013، ثم أصبح عضواً منتخباً في معهد العلوم التشريعية والفلسفية في باريس منذ عام 2017.
تتميز كتاباته بتحليل نقدي للحداثة، وتفكيك الأنساق السلطوية، والبحث في علاقة الأدب بالفلسفة. تأتي هذه المقابلة في لحظة تتقاطع فيها الفلسفة مع أسئلة المجتمع السوري، ومع التحولات الفكرية والسياسية التي تشهدها المنطقة. نلتقي به لاستكشاف رؤيته حول المفاهيم السياسية، والعقلانية الحديثة، وسوريا ما بعد الحرب، ودور الفلسفة في زمن الانهيارات، إضافة إلى موقع السويداء، وإشكاليات الهوية ،والدولة، والمستقبل.
أولاً: الفلسفة، التفكيك، والمنهج
- قدّمتَ مشروعاً فلسفياً يستند إلى التفكيكية دون أن يتطابق معها تماماً. كيف تفهم التفكيك اليوم، وهل ما زال صالحاً لقراءة اللحظة السياسية العربية والسورية؟
إذ تُنسب التفكيكية بشكل أساسيّ للفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، إلا أنها في الحقيقة تقليد فلسفي أقدم من ذلك ويتجاوز عملية قراءة النصوص تفكيكياً كما فعل دريدا الشاب. التفكيك، كما أفهمه على الأقل، عملية كشف تذهب للبحث فيما وراء السطح الظاهر للمعطيات والوقائع وللخطابات والنصوص والشعارات، والأخبار، والصورة. هي كشف عن الميكانيزمات الفاعلة الواضحة والخفية وبحث عن العوامل المحتجبة والأسباب الكامنة خلف حدثٍ ما. هي أيضاً محاولة لفضح ما صدأ وتحجّر وتخشب بعد أن كان عامل تقدم وثورة ونهوض في زمن مضى وانقضى فصار لزاما تعرية سطحه الظاهري للكشف خلفه عن العطالة المفاهيمية. بهذا المعنى يصبح التفكيك مدرسة واسعة تذهب أبعد من دريدا نحو ماركس نفسه ونيتشه وفرويد وميشيل فوكو الخ.
بهذا المعنى التفكيك ليس أداةً فكرية تقتصر على كشف مكامن العطالة السياسية فحسب وإنما هو أيضاً حاجة ملحة وضرورية لفهم آليات السيطرة وعمليات التضليل الكامنة خلف المفاهيم والشعارات البراقة. التفكيك إذن بهذه الرؤية هو كشف للأوهام ولكيفية تلاعب الخطاب السياسي بالعقول وهو تعرية لكيفية غسل الدماغ إعلامياً وعقائدياً. سياسياً، إذن يصبح التفكيك عملية تنوير تكشف ما احتجب، وبمعنى أدق ما تم حجبه وتزييفه كأن تحاول إقناع الناس أن الزفت أبيض وأن الدكتاتور هو عماد أمن البلاد والعباد وإن الاستبداد ديمقراطية وأن التجزئة وحدة وأن مفهوم الوطن الذي يقدمونه لنا ليس سوى سجن يقيدوننا به ويجعلوننا ندفع حياتنا خدمة لمصالحهم العائلية والشخصية وبحثهم الذي لا يرتوي لمزيد من الثروة والسلطة والهيمنة.
ما يؤخذ على التفكيك عموماً هو اكتفاؤه بعمليات الكشف والتعرية والفضح دون أن يقدّم بدائلاً. لأجل هذا أتوجه شخصياً لما وراء التفكيك أي نحو البناء بعد التفكيك. أي تقديم البدائل والحلول لما قد تبين أنه قد فسد أو لم يعد قابلاً للحياة أي بعد كشف النواقص والعيوب والأمراض للعمل على معالجتها أو تغيير المنهج المعتمد أو الخروج كلياً من قفص مفاهيمي لم تآكل بالكامل ولم يعد ينفع إلا للرمي. في كل ذلك يجب أن تظل البوصلة هي الحياة الكريمة للناس أي المواطنين في الدولة والمجتمع وحريتهم وفتح المجال لهم لتحقيق ذواتهم.
توظيف التفكيك في السياسة كان أحد المجالات التي حاولت الاشتغال عليها وقدّمت فيها مجموعة محاضرات ومقالات وتحليلات عبر تفكيك مفاهيم سياسية بالتركيز على ممارساتها عربياً.
- في أعمالك، يظهر اهتمام واضح بتفكيك المفاهيم السياسية (الدولة، الحداثة، التقدم، الحرية). ما الذي يجعل المفاهيم السياسية في السياق العربي ملتبسة أو إشكالية أكثر مما هي عليه في سياقات أخرى؟
لأن هذه المفاهيم ظلت هجينة في سياقاتها العربية سواء على الصعيد النظري أو العملي. فمفاهيم الدولة والحداثة والمجتمع المدني والديمقراطية والعلمانية والمواطنة الخ هي مفاهيم غربية عموماً. ما أقصده هنا أن صياغاتها النظرية ظهرت في السياق الغربي الحديث (حتى الديمقراطية أخذت بعداً جديداً عما ظهرت عليه عند الإغريق على سبيل المثال). الآن وعند النظر إلى المعادل السياسي الواقعي العربي لهذه المفاهيم أي تجسدها عملياً في مؤسسات وأفكار وممارسات سياسية يظهر الهجانة فيها. فلا الدولة العربية دولة كاملة الأوصاف بالمعنى الغربي الحديث للكلمة ولا العرب مروا بتجارب حقيقية في التنوير والحداثة والليبرالية والتقدم الخ. من هنا يحتاج الباحث عندنا إلى التأمل والاجتهاد في الواقع العربي حيث لا تنفع الاستعارة النظرية الغربية فقط في تفكيك هذا الواقع الهجين والمتردد بين منجزات الحداثة الغربية والتقليد الإسلامي الماضوي المتأصل في الوعي والذهنيات.
- كيف أثّرت دراستك في السوربون وتفاعلك مع الفكر الأوروبي المعاصر في تكوين مشروعك الفكري الخاص؟ وهل ترى أنك تجاوزت المدرسة الأوروبية نحو صياغة مقاربة سورية أو عربية؟
لا شك أن الدراسة في السوربون قد زودتني بعدة مفاهيمية احترافية ما كان يمكن لي التحصل عليها لو بقيت في سوريا وجامعاتها المهترئة. كانت فرصة لي ولغيري ممن درس في الغرب لتطوير عدته النظرية والمنهجية واحتراف البحث العلمي كتابة وتدريساً ولغةً. شخصياً، كالكثيرين غيري ممن جاؤوا من بلدان العالم الثالث، ودرسوا في الغرب أصبحوا بدورهم هجيناً من الحضارات والثقافات، لكن على نحوٍ غنيّ ولو بقي مغترباً. لا شك أني تغيرت في الجامعات الفرنسية، لكن الشرقي وهموم عوالمه وبلاده وأهله هناك وراء البحر بقيت تسكنني. بين الشرق والغرب اكتشف الغريب، الذي هو أنا وكيف أن أبعاده النفسية لم تعد واضحة فصارت ضبابية وأن حدوده الهوياتية اختلطت فلا هو بالشرقي ولا هو بالغربي، وهو، ويا للمفارقة، كلاهما في آن معاً. تسكنني الثقافة العربية كما تسكنني الثقافة الغربية وأكتب بالتجاهين من اليمين إلى اليسار والعكس. لكن يبدو أن العالم الأول هو من يسيطر على العالم الجديد عندي إذ تظل انشغالاتي أكبر بما يحدث عند العرب. أكتب أكثر باللغة العربية و – باستثناء الأبحاث الأكاديمية الغربية الخالصة تقريباً – أنشغل أكثر بقضايا وهموم العرب. وإذ يكاد يكون تأثيري معدوماً تقريباً للآن في الغرب فإن لي بعض الحضور العربي. لا أعتقد أني بذلك حالة استثنائية. تعرفتُ على نفسي، أو بالأحرى على غربيتي في بعض المؤلفات لعربٍ جاؤوا إلى الغرب للدراسة مثلي في، على سبيل المثال، تخليص الإبريز في تلخيص باريز للطهطاوي مثلاً وفي الأيام لطه حسين (الجزء الثالث تحديداً الذي يروي فيه قدومه في منحة إلى فرنسا للدراسة) وكذلك في عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم أو في موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح.
أما مشروعي الفكري فقد كنت واعياً، ليكون عندي مشروعي الخاص، إلى ضرورة أن أكون أنا كما أنا بغربتي عن الغرب والشرق وبزوادتي الغنية الدسمة منهما كليهما. أي امتلاء بهما وانعتاق منهما.
ثانياً: الأدب والفلسفة
- تكتب كثيراً عن علاقة الأدب بالفلسفة. ما الذي يضيفه الأدب إلى الفلسفة في السياق العربي؟ وهل الأدب العربي اليوم قادر على حمل أسئلة الفلسفة أم أنه محكوم بالرمزية والرقابة؟
اسمح لي أن أذكِّر هنا بالتمييز الذي أقمته مؤخراً في كتابي اللوغوس المهاجر (2025) بين اللوغوس والعقل اللذان تنسب الفلسفة إليهما. الفلسفة بالمعنى المدرسي الغربي المسيطر اليوم، بل ومنذ أفلاطون هي الفلسفة العقلانية، فلسفة العقل السببية البرهانية ومشتقاتها من الفلسفات التجريبية والمادية والعلموية. في حين أن اللوغوس، وهو أقدم من العقل فلسفياً وأوسع إذ – على خلاف الفلسفة العقلانية الصارمة – لا يقصي البلاغة والشعر والأدب من ميادينه. بهذا المعنى فإن علاقة الفلسفة بالأدب تقترن باللوغوس لا بالعقل وبهذا المعنى أيضاً فإن اللوغوس، شرقيّ الولادة والروح. هو عربيٌّ أيضاً إذن. في العالم العربي طغى الشعر قديماً على كل أشكال الأدب. ورغم أن العربي تأثر بالغرب أدبياً فاستحضر منه الرواية والقصة بعد أن كانت تقتصر عند العرب على الأسلوب الحكائي والروائي مثل ألف ليلة وليلة و تغريبة بني هلال و الزير سالم الخ، فإن الشعر ظل هو الأقوى والأكثر حضوراً في السياق العربي حتى فلسفياً حد افساد التفكير الفلسفي أحياناً. أقصد هنا أن الجرعة الشعرية عربياً زائدة عن الحد في التناول الفلسفي ومن هنا نجد حضور التصوف والبلاغة أكثر من العقل والمنطق عندنا.
ورغم أن الأدب العربي محكوم إلى حد كبير بالرمزية الناتجة عن سطوة الرقابة الخارجية والداخلية، الواضحة والباطنية إلى أنه، وربما بسبب ذلك، قادر على ابداع أعمال أدبية/فلسفية. يحضرني بشكل أساسي في الحالة العربية نجيب محفوظ. فمحفوظ الحائز على جائزة نوبل في الأدب هو فيلسوف/روائي بامتياز. درس محفوظ الفلسفة وأعطى أعمالاً أدبية لا تخلو من تأملات فلسفية مهمة جداً ولا يقتصر الأمر على رواية أولاد حارتنا وإنما على مجمل رواياته وقصصه.
- في قراءتك لأعمال مثل الطهطاوي أو هابرماس، كيف تُعيد تشكيل العلاقة بين النص الأدبي والنص الفلسفي، وما الذي يصنع الاختلاف بينهما في بناء المعنى؟
دعني أوضّّح أن قراءة مؤلفات هابرماس لم تساعدني كثيراً على ربط الفلسفة بالأدب إلا على نحوٍ عكسيّ. هابرماس مفكر سياسي ومنظر اجتماعي وقانوني مهم جداً، لكن، وعلى خلاف الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت، لا يحفل فعلياً لا بالأدب ولا بالفن. أسلوبه في الكتابة جاف تقريريّ بارد تحكمه اللغة العقلانية الإجرائية ولا يحضر عنده الأدب والفن إلا نادراً جداً وحين يكون في صدد نقدهما فقط. لهذا وجدت نفسي بعد إتمام أطروحة الماجستير في السوربون حول العقلانية والحداثة عند هابرماس بحاجة نفسياً لإضافة فيلسوف يمكن أن يسقي روحي التي جففتها المؤلفات العقلانية الإجرائية عند هابرماس. قمت إذن بالشغل على دريدا وما كان يمكن اختياري لدريدا أن يمر في جامعة باريس 1 في السوربون التي كنتُ أريد الاستمرار فيها، لأسباب عملية، دون أن يقترن بفيلسوف عقلاني مثل هابرماس.
وحين كلفني معهد العالم العربي في باريس بتأليف كتاب عن الطهطاوي أعدت قراءة كتابه الأول والأشهر تخليص الإبريز في تلخيص باريز بمتعة أدبية أكثر منها فكرية. في فرنسا وعموماً يُصنف كتاب الطهطاوي هذا في أدب الرحلات وقد أصنفه أنا في أدب السيرة الذاتية أيضاً وهو نوع أدبي قائم بذاته. على خلاف مؤلفات الطهطاوي اللاحقة، يظل هذا الكتاب تحفة أدبية فريدة. لكن ما يزعجني في الكتابة العربية الفكرية هو إقحام الشعر، الذي هو أصل اللوغوس الفلسفيّ، على نحو مبالغ فيه وبشكلٍ فيه إقحام يسيء للمحتوى الأدبي والفكريّ معاً. ضايقني ذلك الإقحام في العديد من المؤلفات الفكرية العربية قديمها وحديثها بحيث يبدو وكأنه استعراض واستطراد داخل وخارج وجانب الموضوع. بالمقابل فقد احتفيت بعلاقة الأدبي بالفلسفي في اشتغالي في كتابي عن ابن طفيل في قصته الفلسفية الشهيرة حي بن يقظان التي اعتبرها أول رواية فلسفية كتبت في التاريخ. فإذا كان فيثاغورس وهرقليطس، بل وحتى بارمنيدس قد صاغوا فلسفتهم بلغة شعرية وإذا كان أفلاطون أول من مسرح الفلسفة بتقديمها على شكل حوارات مسرحية، فإن ابن طفيل هو أول من كتب الرواية الفلسفية سابقاً بذلك روائيي الغرب اللاحقين عليه.
بكل الحالات اعترف أن علاقة الأدب بالفلسفة حضرت عندي بشكل أساسي في قراءتي وتفكري بالإنتاج الغربي منذ الإغريق لليوم عند الفلاسفة ما قبل سقراط وصولاً إلى دريدا مروراً بنيتشه وفرويد وسارتر. كما أن الأدب مثّل جزءاً أساسياً ومهماً من زوادتي النظرية والفكرية منذ هوميروس وهزيود والمسرح الإغريقي عند سوفوكليس وأسخيليوس وصولاً إلى ميلان كونديرا مروراً بكافكا ونيكوس كازانتزاكس.
ثالثاً: سوريا، الدولة، والمجتمع
- مرّت سوريا خلال العقد الأخير بتحولات كبرى هزّت بنية الدولة والمجتمع. من منظور فلسفي: كيف تقرأ تفكّك الدولة السورية؟ وهل نعيش انهيار نموذج سياسي أم انتقالاً إلى نموذج جديد لم تتضح معالمه بعد؟
ذكرت في سؤالك مفردتي “الدولة” و “المجتمع” ومن الضروري التمييز في الحالة السورية لما قبل 2011 أنه كان لدينا دولة سورية، لكن لم يكن لدينا مجتمع لا سياسيّ ولا حتى مدني منذ نهاية الستينيات في القرن الماضي. في العلاقة الندية غالباً بين الدولة والمجتمع تبتلع الدولة المجتمع بالكامل في الدكتاتوريات والأنظمة الشمولية حيث لا يبقى لا مجتمع مدني ولا حراك سياسي ولا مشاركة شعبية في السياسة، ولا حتى ممثلين برلمانيين يختارهم الشعب بحرية بالحدود الدنيا. وهكذا كان حال “سوريا الأسدية” منذ بداية السبعينيات إلى لحظة هروب بشار الأسد. لكن إذا كانت لدينا دولة دون شعب في فترة الأسدين فإن ما حصل منذ بداية عام 2011 وإلى اليوم هو تفكك مضطرد للدولة وأجهزتها أيضاً وتحلل فجائعي للقيم الاجتماعية.
ما يحصل اليوم في سوريا هو إذن انهيار مزدوج: تفكك للبنى المدنية الحديثة للدولة وتحلل للقيم الاجتماعية والوطنية، بل والأخلاقية بالحدود الدنيا لوجود شعب واحد. واليوم ومع وصول سلطة ذات ماضي جهادي وعقلية فصائلية ضيقة واحتكار كامل تقريباً للسلطة بين أفرادها تتجه سوريا (أو ما تبقى منها) إلى مرحلة ما قبل الدولة أي إلى الأمة الإسلاموية، والعشيرة أو القبيلة الطائفية. كنت أول من أشار إلى حالة “بدونّةُ” سوريا التي تستشري اليوم مع وصول السلطة الجديدة إلى الحكم. في فترة الأسد ظهرت تنظيرات اجتماعية وجيهة تحدثت وانتشرت عن كيف قام حافظ الأسد بترييف سوريا وعسكرتها، واليوم يمكن لنا الحديث عن بدونة سوريا بالمعنى الخلدوني للكلمة. كان ابن خلدون قد ميّز بين البداوة والعمران ورسم خطاً تاريخياً للحضارة ترتقي فيه الأمة من البداوة إلى العمران. ما نلحظه اليوم في سوريا هو النكوص تاريخياً من مرحلة العمران (أي الدولة هنا) إلى مرحلة ما قبل الدولة أي البداوة والعصبية (الطائفية في الحالة السورية). لا انتقد هنا قيم البدو الأصيلة وإنما أتحدث عن الارتداد الحضاري من الدولة (وإن كانت بشكلها العسكري الأمني المرعب مع الأسد) إلى مرحلة الأمة الإسلامية كما كانت في العصور الوسطى. لا تتمظهر بدونة البلد فقط بمظاهر الذقون الطويلة والجلابيات والصنادل و”الشحاطات” والخناجر والسيوف، وإنما في العصبية القبلية الغليظة التي لا تسبق مرحلة الدولة ببساطة فقط وإنما تعيق الوصول إليها وتعمل على هدم ما أُنجز فيها.
أعتقد أنه مع الشروط الخارجية المفروضة على الإدارة الجديدة يسعى الشرع إلى حل وسط لا يبتعد عن عقيدته الدينية العميقة والراسخة في دولة إسلامية، من جهة، وعن شروط الغرب في مكافحة الإرهاب، من جهة أخرى. ما هو هذا الحل؟ : إمارة سنية معتدلة. يطمح الشرع أن يجعل سوريا إمارة على شاكلة دول الخليج، لكن هذا الأمر مستحيل لسببين: الأول هو توجه دول الخليج من العصبية البدوية نحو التحديث والانفتاح ومحاربة السلفيات، أي من البداوة إلى العمران كما هو الحال في السعودية والإمارات وثانيهما افتقار سوريا لمصادر النفط والطاقة التي يمكن أن تمنحها وضعاً اقتصادياً يسمح بقبول نظام الإمارة واستقراره.
- كيف ترى علاقة الفرد السوري بالدولة اليوم؟ وهل لا يزال المواطن قادراً على تخيّل دولة جامعة بعد التجارب المريرة من الحرب والسلطة والاستقطاب؟
للأسف يبدو وكأن مفردتي “الفرد” و”الدولة” لا تزالان منقوصتان في سوريا. فالفرد هو شخصية مستقلة بتفكير حر يحقق وجوده الفرديّ إلى جانب انخراطه الاجتماعيّ، لكن الحشود هي من تسود في سوريا وتقضي على أي فردية. هي الطوائف، والجماعات. أكثرية وأقليات، وعشائر وقبائل الخ. في مثل هكذا حشود يتماهى الجميع ويصبحون جزءاً من كل يمحي هوياتهم الفردية واسقلالهم الفكري وإرادتهم الشخصية. بل إن الخروج عما يسميه نيتشه ﺒ “القطيع” تصبح تخويناً “للخروج عن الجماعة وكسر عصا الطاعة”. كما أن مفهوم الدولة اليوم في سوريا يشهد حالة ارتداد سريع نحو مرحلة ما قبل الدولة: أي الأمة الإسلامية، أو دولة الأكثرية التي تقوم على العصبية وهذه الأمة الطائفية تقوم على الحشود كذلك وترفض التمايز الفرديّ.
وليس الحال أفضل مع مفردة “المواطن” الذي لم يولد بعد في سوريا ربما عبر كل تاريخها. المواطن يوجد في دولة المواطنة التي تساوي بين الجميع لا تقتلهم أو تقصيهم وتمايز بينهم على أساس الهوية والدين والمنطقة والثروة. نحن كنا وما زلنا في بلدان العرب رعايا لا مواطنين لو استعرت عنوان كتاب المفكر المصري خالد محمد خالد أو لا يزال “الفرد” عندنا sujet وبعيد أن يصبح citoyen لو استعرت من اللغة الفرنسية تمييزها بين المواطن الحر والفرد الذي تحدد وجوده السياسي بالتبعية للحاكم. وطّد حافظ الأسد عماد دولة عسكرية ابتلعت المجتمع دون باقي وقضت على النخب الارستقراطية. ثم تُرجِم التوجه العلماني الذي طرحه منظرو البعث إلى طوائف وأديان مغلقة على نفسها في دوائر منفصلة دون أي احتكاك عسكري أو طائفي، لكن دون العمل على خلق البديل الوحيد الممكن: إنشاء دولة مواطنة بدل تأجيل الصراع الطائفي بكبته. بعد انتصاره الكاسح في حربه الدموية مع الإخوان المسلمين في بداية الثمانينات من القرن الماضي كان يمكن لحافظ الأسد أي يعلمن سوريا على طريقة بورقيبة في تونس أو على طريقة كمال أتاتورك في تركيا، لكنه لم يفعل. كان يومها قد أطبق قبضته على سوريا ولم يكن يفكر بالوطن وإنما باستقرار حكمه وتوريثه.
ثم بدأ وحش الطائفية المكبوت يخرج من قمقمه مع بداية الثورة على نظام بشار الأسد، وكان لاستخدام القوة العسكرية والبراميل المتفجرة والقتل في السجون الخ مما نعرفه من الحل العسكري الذي اتبعه الأسد وبخاصة في مناطق الأكثرية السنية أن كثّف الحقد الطائفي بحيث بدا حريقاً قادماً قريباً سيحرق ما تبقى من خيط واهٍ بين السوريين. كان لمجيئ الإدارة الجديدة بخلفيتها الجهادية ومرجعياتها التي تزاود حتى على رؤى ابن تيمية الضيقة في النظرة إلى الطوائف والأقليات أن توحشت الطائفية. لقد فتحت السلطة الجديدة صندوق باندورا الطائفي فخرجت منه كل الوحوش الدموية السلفية المكبوتة. مع تحديد هوية سوريا بوصفها “دولة” أموية سنية ثم مركزة الحكم في يد هيئة تحرير الشام وما ارتكبته قواتها الأمنية أو الرديفة من مجازر في مناطق الأقليات في الساحل والسويداء أن تحول “مشروع” التعايش المشترك إلى حقد طائفي وثارات قتل على الهوية. ليس في ذهن هذه الإدارة الجديدة أي مشروع وطني يقوم على دولة المواطنة، وإنما أقصى همهم، تهدئة الأوضاع في الداخل بإلحاق أبناء الأقليات بالدولة على صفة ذميين أو رعايا من الدرجة الثالثة يمنحون السلام مقابل الولاء المطلق للدولة السنيّة. نحن إذن بعيدين جداً عن فكرة دولة المواطنة بالمعنى الليبرالي التي يكون فيها جميع المواطنين متساوون أمام القانون ويتمتعون بنفس الحقوق والواجبات رغم أن سوريا متجهة إلى حالة استقرار نسبي ملخصه: الأمان مقابل الخضوع.
- برأيك، هل يمكن للخطاب الفلسفي أن يلعب دوراً فعّالاً في لحظات الانهيار الاجتماعي والسياسي، أم أن الفلسفة تُستدعى فقط في أزمنة الاستقرار؟
لنكن واقعيين ونعترف أن الفلسفة ليست عصا سحرية قادرة على خلق تغيرات سريعة في الدولة والمجتمع. الفلسفة هي جزء من الثقافة التي تخلق الوعي بالحرية وبالحقوق والواجبات وتدعو الإنسان للدفاع عن وجوده وحقوقه. لكن العمل الثقافي والفكري عملٌ تراكمي بطيئ ويحتاج إلى إرادة سياسية أو مجتمعية لترجمة أفكار التنوير والنهضة والحداثة إلى أيدولوجيات وأحزاب ومؤسسات حقوقية وترسيخ لحقوق الإنسان وتحديد علاقة المواطن بالسلطة والدولة التي يجب أن تكون في خدمة المواطن تأمن له الحماية والحياة الكريمة. لو عدنا لأفكار يتم تداولها مثلاً كحلول لمشكلات سوريا الداخلية مثل “الديمقراطية” أو” العقد الاجتماعي”، أو “العلمانية” أو “دولة المواطنة” أو “المجتمع المدني” أو “المجتمع المتعدد” أو حتى “الحوار السياسي” الخ فهذه كلها أفكار فلسفية بالأصل ولدت ونوقشت في إطارها السياسيّ والحقوقي وتحولت إلى مؤسسات سياسية في كل دولة أو على مستوى العلاقة بين الدول.
بغياب الفلسفة أي بوصفها فكراً نقدياً مستقلاً بالعموم وفكراً معيارياً في الدولة والتشريع اده أو، بغيابه، تنجح السلطة في استلاب الناس وغسل عقولهم وتحويلهم إلى مجرد رعايا أي تبَّع خاضعين لسلطة الراعي ومفردة الرعية تأتي من الراعي الذي يقود القطيع ويتحكم بهم ويحق له ذبحهم.
الفلسفة عربياً ضعيفة بهذا المعنى الحقوقيّ وهي مُحاربةٌ أصلاً من السفليات والأصوليات التي تتحكم بسوريا اليوم فيتم تكفير اللاسفة والمفكرين على طريقة ” من تمنطق تزندق” ويُعمل على الترويج للظلامية والماضوية على حساب الحداثة والتنوير والفكر العقلاني. تعرف الأمية بشكلها الأبسط بوصفها عدم القدرة على القراءة والكتابة. والأمية الفلسفية هو عدم تعليم المجتمع القواعد الأولى لحقوق المواطن في حريته وحقوقه وواجباته.
للأسف استطاعت السلفيات والعسكر تبديد ما راكمه المفكرون والتنويريون العرب على مدى عقود، بل وربما لقرابة قرن من الآن منذ عصر النهضة وحتى اليوم. الفلسفة والفكر التحرري مهدد اليوم في سوريا أكثر من أي وقتٍ مضى مع قدوم سلطة مشيخية سلفية تعارض الحريات والأفكار الليبرالية بعمق.
رابعاً: السويداء والهويّات المحليّة
- أنت ابن السويداء، وتتابع مُجريات مجتمعها عن قرب. كيف تصف التحولات الاجتماعية والسياسية التي يعيشها هذا المجتمع منذ 2011؟
لم تصبح السويداء جميلة ومتنوعة ومنفتحة وقريبة إليّ رغم المسافة الجغرافية كما كانت عليه أثناء خروج أهل السويداء إلى ساحة الكرامة والتعبير بأجمل وأرقى وسائل التعبير عن تطلعاتهم لسوريا ديمقراطية علمانية حرةّ متحررة من نظام الأسد الاستبدادي. صارت ساحة الكرامة في السويداء (التي لم أزرها للأسف منذ 2009) بيت سوريا الجميل. كنت أفرح بإرادة أهل السويداء ووعيهم الوطني الجامع وكنت أرقص معهم عن بعد، وإن كنتُ أتضايق شخصياً حينما كان بعضهم يرفع أعلام الدروز في التجمعات لأني كنتُ أرى سوريا كلها في السويداء.
ثم حصلت المجازر الكارثية في منتصف تموز من هذا العام الدمويّ. لقد ارتكبت قطعان المهاجمين من قوى الأمن والعشائر مجازر ترقى إلى جرائم الحرب بحسب وصف التقارير الدولية. تُرك أهل السويداء لوحدهم حقيقة في وجه المجزرة والجهاديين والحاقدين. فلا السلطة الجديدة حمتهم، بل وجهت سيوفها إلى رقابهم وشكر الشرع العشائر على هجومها على السويداء مشجعاً فئة سورية ضد أخرى. ولم يقف السوريين شعباً ومثقفين موقفاً واضحاً وحقيقياً في رفض المجزرة بل ظهر وكأن الانقسام الطائفي قد جعل الكثير من السوريين يساندون المقتلة ويبررونها. لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً كارثياً في تغذية وحش الطائفية المنفلت من قيوده كما مارس الإعلام السوري الرسميّ أولاً والعربي الداعم للإدارة الجديدة دوراً سلبياً جداً في تبرئة القاتل وإدانة المقتولين. كل ذلك ترك رضاً نفسياً لدى أهل السويداء الذين شعروا بأنهم قد خدعوا وأنهم كانوا سذّجاً عندما كانوا يهتفون باسم شعب سوري واحد ويحلمون بدولة مدنية لكل السوريين دون استثناء. لم يكافئ أهل السويداء على احتضانهم للسوريين من كل المدن التي دمرها الأسد الابن ولم يُشكروا على وقوفهم ضد الأسد بحيث كانت ساحة الكرامة في السويداء هي آخر معاقل التظاهر المدني ضد استبداد الأسد، بل العكس هو ما حصل وكان لكل ذلك رد فعل عنيف جداً في السويداء.
اعتقد أن أحد النتائج الخطيرة (وما أكثرها للأسف) على السويداء هو ذلك التحوّل من الانفتاح المجتمعي على سوريا والسوريين إلى خوف وشك وريبة بهم تصل حد القطيعة، بل والعداء والرغبة بالانفصال عنهم عند البعض الذين للأسف هم الأعلى صوتاً وكلمة والأكبر تأثيراً في تلك المدينة الجبلية الجميلة. أتفهم إذن ردة الفعل العنيفة التي احدثتها الانتهاكات والمجازر، لكني ضد مواجهة التطرف بتطرف مقابل، والإقصاء بالإقصاء، والتصعيد بالتصعيد. لم تأخذ السويداء حقوقها لليوم ولا بد من الاستمرار في المطالبة بها ومحاسبة المسؤولين عن ذلك، لكني ضد تعميم اللحظة ورمي الطفل مع الغسيل الوسخ كما يقول المثل الفرنسي. ما يغيب عن السويداء اليوم هو السياسة باختصار وما يسودها هي المزاودة والمراجل في حين أنه ولكي تسترد حقوقك عليك بالسياسة لا بالعنتريات.
- هل ترى أن السويداء اليوم تعيش أزمة هوية، أم أنها تعيش إعادة تشكيلٍ لهويتها القديمة في ضوء انهيار الدولة المركزية؟
لا تتحدّد أزمة الهوية في اغترابك عن أصولك وماضيك الذي شكل هويتك فقط، وإنما، على العكس، في نكوصك المرضي إلى الهوية بوصفها الوطن الأخير. إن التعصب على الهوية وتصورها نقية خالصة في مقابل الهويات الأخرى النجسة (على طريقة الروح الجميلة عند هيجل) هو أكبر أزمة هوية يمكن أن يعيشها من كان شخصاً وصار مجرد متعصب. لا شك أن السويداء تعيش أزمة هوية اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى. من المعروف أن الكثير من الطوائف في منطقتنا هم أقرب للمجتمعات المدنية منها إلى المجتمعات الدينية. في السويداء هناك قيم عامة (أحياناً ضيقة ومنغلقة مثل موضوع الزواج من خارج الطائفة)، لكن إمكانية بناء الشخصية الفردية متاح بهوامش كبيرة. لم يكن في تلك المحافظة تأثير كبير لرجال الدين على الحياة المجتمعية ولم يكن هناك أبداً تقريباً تفكير متشدد بالهوية الطائفية، لكن وبعد الهجوم البربري الذي تعرضت له السويداء وإحساس أهلها بالخذلان من السوريين جعلهم يرتدون بقوة إلى طائفتهم ويصبحون طائفيين. هكذا وتحت وبعد المجازر تحوّل الانفتاح المجتمعي في السويداء إلى تعصب طائفي تمت المزاودة فيه من قبل بعض من تزعّم الساحة وصار صوته هو الأعلى والأقوى حاجباً الأصوات المدنية العاقلة التي تخوّن إن خرجت عن صوت الحشد الواحد.
11. كيف يمكن فهم علاقة السويداء بسوريا ككل: هل تتجه نحو مزيد من الاندماج، أم نحو مزيد من الخصوصية والانكفاء؟
مرة أخرى إن الارتداد على الهوية الطائفية الضيقة التي ترى نفسها أصيلة ونقية في مقابل الآخر، الذي صار عدواً يعمّق القطيعة والعزلة ويساعد في قطع العلاقات الإنسانية والجيرة والتعايش. لقد تم تعميم لحظة المجزرة في السويداء وتعميم الأحكام على السوريين بوصفهم جميعاً صادقوا على المجزرة وشاركوا فيها بالسلاح أو بالدعم أو حتى بالصمت والتواطؤ. إن تزمين هذا التعميم أي جعله مطلقاُ قاد إلى نتيجة مخيفة وخاطئة بالكال: استحالة إمكانية العيش في سوريا مع السوريين.
تحتاج السويداء اليوم إلى صوت العقل والتهدئة لا شد الوتر الطائفي كما هو حاصل اليوم. أنا مع عدم الاعتراف بهذه السلطة إلى أن تقوم في سوريا حكومة وطنية ودولة مواطنة يتساوى فيها الجميع دون إقصاء، لكني ضد القطيعة مع سوريا والسوريين مرة واحدة وإلى الأبد نتيجة حكم معمم وخاطئ.
خامساً: الفلسفة والمستقبل السوري
- هل تعتقد أن سوريا قادرة على بناء عقد اجتماعي جديد بعد كل ما جرى؟ وما الشروط الفلسفية والسياسية التي يجب توافرها لقيام دولة حديثة فعلاً؟
يحتاج العقد الاجتماعي إلى إرادات حرة ووعي اجتماعي بالعيش المشترك وإدارة شؤون الحياة العامة ونظام الحكم السياسي على أساس من المساواة والعدالة الاجتماعية. للأسف كل ذلك يبدو غائباً اليوم في سوريا أكثر من أي وقت مضى. “العقد الاجتماعي” يفترض إذن وجود مجتمع يحدد الحقوق والواجبات وشكل الحكم من الأدنى للأعلى أو من الفرد إلى الدولة مروراً طبعاً بالمجتمع، فالفرد هنا هو كائن اجتماعيّ/سياسيّ. في سوريا وكما ذكرت سابقاً ابتلعت الدولة العسكرية المجتمع مع الأسد وتأتي اليوم الدولة الإسلامية لتقضي حتى على الهامش الصغير للفرد والحريات الفردية. حتى العقد الاجتماعي على طريقة هوبز حيث يتنازل الأفراد للحاكم المطلق عن حرياتهم مقابل حمايتهم لم يتحقق لنا فالدولة هي من تقرر كل شيء من الأعلى. لتحقيق العقد الاجتماعي السوري علينا أن نخرج خارج صندوق السلطة. على النخب أن تبدأ بهذه العملية الطويلة اليوم والصعبة بحوار بين النخب المجتمعية على قاعدة وطنية لا طائفية فالسلطة القائمة لا تقوم بهذا الواجب وليس في برنامجها أصلاً، بل هي تقف ضده وستحاربه لو بدأ. ومع ذلك لا بد أن نعيد للعقد الاجتماعي شروطه الأساسية: الناس الأحرار في المجتمع. بهذا المعنى يجب أن يبدأ العقد الاجتماعي فيما نسميه بالفضاء العام بين المثقفين والسياسيين والحقوقيين ورجال الفكر بحيث يحدد المجتمع شكل الدولة ونظامها السياسي لا أن تفرض عليه السلطة الحاكمة بالإكراه كل شيء من الأعلى. باختصار العقد الاجتماعي يحتاج إلى مواطنين لا رعايا. هكذا علينا أن نبدأ من حيث يجب البدء”: من الشعب فهو الوحيد المخول بحكم نفسه بنفسه وتحديد شكل حياته ونظام حكمه ومن يمثله ومن يحكمه ويظل قادراًُ على محاسبة الجميع، لكن مرة أخرى يبدو أن أفكار فلاسفة الغرب لم تتحقق إلا في الغرب بينما تظل المواطنة والتعاقد الاجتماعي كالحكاية الخرافية عندنا.
- ما الدور الذي يمكن أن يلعبه المثقفون—الفلاسفة والكتّاب والمفكرون—في تجاوز منطق الطوائف والمركزيات المغلقة؟
أخشى أن هذا الحوار قد جاء في مرحلة أشعر فيها بالإحباط من الواقع الأسود الذي نعيشه فتأتي أجوبتي مُحبَطة ومُحبِطة في آن. نشهد اليوم في العالم عموماً صعوداً للشعبوية السياسية وتفشياً لثقافة الابتذال وهمينة الصورة (عنف الصورة على رأي الفيلسوف الفرنسي بودريار) على حساب القيم السياسية والمعايير الأخلاقية والأكاديمية. ربما لطالما كان الأمر كذلك لكن تسارع وتيرة اكتساح ثقافة “التفاهة” و”مجتمع الفرجة” لو استعرت بعض عناوين الكتب هو شيء لم يعرفه التاريخ من قبل. في أمريكا يحكم رئيس حوكم في عدة قضايا منها قضايا اغتصاب وتحرش ورشاوى وفساد وتهرب ضريبي، ويصعد اليمين المتطرف بقوة في أوروبا. وفي سوريا تأتي جحافل الجهاديين السلفيين بتفاسير متطرفة وفتاوى ابن تيمية ونشر كتب ابن عبد الوهاب ودعوات لنشر التعليم الديني على طريقة الكُتّاب على حساب المناهج العلمية الحديثة. يستطيع شيوخ الجوامع السلفيين غسل عقول جيل كامل بينما يتراجع حضور المفكرين والكتاب لصالح المؤثرين الفارغين وأصحاب التيكتوك ودعاة الظلام. يجد المثقف نفسه اليوم أمام مهمة مضاعفة ويدرك بأسى أن العالم يغرق أمام ناظريه وأن الغرقى يسخرون منه حين يمد إليهم يده وهم في طريقهم إلى القاع. ومع ذلك لا بد من استمرار العمل (كما نفعل في حوارنا هذا) حتى ولو أدركنا أن العالم سيغرق فلعل هناك من يسمع ولعل الفاعلين الاجتماعيين يجدون فيما نقول ونكتب ونطرح أفكاراً وبرامج يمكن العمل عليها لصالح بناء سفينة تنقذنا جميعاً من الغرق قبل فوات الأوان.
- ما الذي يقلقك أكثر في مستقبل سوريا؟ الطائفية؟ غياب الدولة؟ أم تحوّل المجتمع نفسه؟
كل ما ذكرت مقلق وخطير وكفيل وحده بتدمير البلد وأهلها، لكن مع غياب الوعي الاجتماعي وتفشي الطائفية كالطاعون في سوريا تُفتقد الدولة الوطنية. اسمع سأقول لك تصوري لدرب الخلاص من الدكتاتوريات والسفليات في وضع سوريا أو حتى بقية البلاد العربية. لحل مشاكل الحروب الأهلية والصراعات وفي غياب توافق اجتماعي بالحد الدنى أعوِّل كثيراً على قوة الدولة ومؤسساتها المدنية أولاً. نعم، بهذا المعنى الحل يأتي من الأعلى لا من الأسفل، على خلاف العقد الاجتماعي، لكن بشروط. لو وجدت عندنا، كخطوة أولى، دولة قوية بقيادة وطنية مدنية تتعهد بتثبيت الأمن وحماية المواطنين وإلزامهم باحترام القوانين وتنفيذ واجباتهم، وتلتزم بنفس الوقت بإنجاب ندِّها ومنافسها السياسي: المجتمع المدني وترعاه كما ترعى الأم ابنها الصغير إلى أن بكبر ويقوى ويستطيع الدفاع عن نفسه لكنا في طريق صحيح. لا يناقض كلامي هنا ما ذكرته عن العقد الاجتماعي الذي يبدأ من الأسفل إلى الأعلى، إذ يمكن أن يبدأ من الأعلى (وبخاصة في مجتمعات الشرق) لو توفرت إرادة وطنية. لقد علّمن أتاتورك وبورقيبة بلديهما من الأعلى وبعض الدول تقدمت بسبب قوة الدولة والخطط الاستراتيجية الوطنية لقادتها. خذ بسمارك في ألمانيا على سبيل المثال. إذا استطاعت الدولة القوية فرض الأمن وإنشاء دولة القانون وسمحت بولادة المجتمع المدني فإن هذا الأخير سيخلق فيما بعد، وبتنافسه مع الدولة، حالة توازن بحيث تتقلص قوة الدولة لصالح قوة المجتمع وتتحول الدولة من الحاكم القوي شبه المطلق إلى مجرد مؤسسات راعية لحماية الناس وتأمين مصالحهم.
لكن ما يُطرح اليوم في الحالة السورية لا يبشر بالخير. بل يجعلنا أكثر تشاؤماً بتحويل الدولة إلى إمارة سنية محافظة وأتوقراطية وطائفية. أي باختصار ستحتوي الأمراض الثلاثة التي ذكرتها في سؤالك على نحو مضبوط كثيراً أو قليلاً، لكن قابل للانفجار في أية لحظة.
خاتمة تحريرية من المجلة
بهذا نأتي إلى نهاية حوارنا مع الدكتور خلدون النبواني، الذي استعرضنا فيه جملة من القضايا الإشكالية التي تتقاطع فيها الفلسفة مع الواقع السوري المعاصر. لقد قدّم اللقاء قراءة نقدية لمفاهيم التفكيك، والحداثة، والدولة، من منظور فلسفي يحاول تشخيص مسببات العطالة في البنى السياسية والاجتماعية.
طرح الحوار تساؤلات جوهرية حول مآلات “الدولة” و”المجتمع” في سوريا، ملقياً الضوء على التحديات التي تواجه تشكّل الهوية الوطنية في ظل الاستقطابات الطائفية والسياسية الراهنة. كما توقفنا عند خصوصية الحالة في السويداء، ليس فقط كجغرافيا محلية، بل كمختبر لفحص إمكانية الصمود أمام تحلل القيم المدنية والنزوع نحو الانكفاء الهوياتي.
إن ما حمله هذا الحوار من أطروحات نقدية حول “بدونة” المشهد السياسي أو تعقيدات العقد الاجتماعي، يمثل مادة للبحث والنقاش العام، وهو ما تسعى مجلة السويداء الفكرية الرقمية إلى تكريسه من خلال منصتها؛ بتقديم رؤى أكاديمية وفكرية معمقة تساهم في فهم التحولات الكبرى التي تعيشها المنطقة، دون مصادرة حق القارئ في تحليل هذه الرؤى ومساءلتها وفق معايير العقل والواقع.
«نُشر بعد مراجعة وموافقة الضيف».
Swaida Intellectual Digital Magazine. (2026). Vol. 1(3). ISSN: 3099-3172 (online).