لماذا تحتاج واشنطن إلى استراتيجية متعددة الشركاء في سوريا.
الدكتور المحامي: غياث الصفدي1.
تموز 2026.
لا تزال مقاربة واشنطن في سوريا حتى الآن، متمحورة حول الاستمرار في منح الدعم السياسي لسلطة الشرع في دمشق باعتبارها شريكاً مركزياً. ويبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية قد فضّلت مصالحها الجيواستراتيجية والاقتصادية المحتملة في سوريا على المبادئ التي تبنّتها لعقود من الزمن فيما يخص مكافحة الإرهاب ودعم الديموقراطية. وهو ما كان واضحاً من خلال تكرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تصريحاته في عدة مناسبات حول قيامه بتعيين الشرع كرئيس انتقالي ومنحه الشرعية السياسية بعد أن كان واحداً من أخطر المطلوبين على قوائم الإرهاب الأمريكية، والإعلان مؤخراً عن نية رفع اسم سوريا عن قائمة الدول الراعية للإرهاب.
عملياً، يصعب افتراض أن الإدارة الأمريكية تفتقر إلى فهم دقيق لبنية سلطة الشرع أو لاتجاهاتها السياسية والأمنية. فالأجهزة الاستخباراتية الأمريكية تمتلك، بحكم قدراتها وشبكاتها التحليلية، إمكانات واسعة لتقييم البنية المؤسسية لهذه السلطة، وأنماط سلوكها، وانعكاسات سياساتها الداخلية، بما في ذلك الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحق عدد من المكونات الاجتماعية كالدروز والعلويين والأكراد. كما أن الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي ترفعه السلطة بشأن بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون، وبين ممارساتها الفعلية التي تتجه نحو إعادة إنتاج سلطة استبدادية ذات طابع ديني متشدد؛ إنّما تُعد من الوقائع التي يصعب أن تغيب عن دوائر صنع القرار في واشنطن. وبالتالي، فإن فرضية عدم إدراك إدارة الرئيس ترامب لهذا المسار تبدو غير منسجمة مع واقع القدرات الاستخباراتية الأمريكية، ما يرجح أن الدعم السياسي الممنوح لسلطة الشرع يعكس تغليباً لحسابات جيواستراتيجية على الاعتبارات المرتبطة بطبيعة النظام الذي يتشكل داخلياً.
من هذا المنطلق، يبرز تناقض جوهري يتمثل في منح الشرعية السياسية لسلطة ذات خلفية أيديولوجية جهادية، مع توقع التزامها بمبادئ الديمقراطية، وسيادة القانون، وحماية حقوق الأقليات. فلا يمكن من الناحية العملية أن تمنح واشنطن الشرعية السياسية لمنظمة إرهابية، ومن ثم تطالبها بضمان حماية الحريات الدينية والالتزام بمعايير سيادة القانون والديموقراطية التي تعتبر بالأساس مخالفة للعقيدة الأيديولوجية الخاصة بهذه المنظمة. فمن البديهي أن ترتكب مثل هذه المنظمة انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، وأن تسعى للانفراد بالسلطة السياسية بشتى الوسائل المتاحة.
من منظور تحليلي، يمكن تفسير تعامي الإدارة الأمريكية الحالية عن ديناميات الحكم الداخلي للسلطة الانتقالية في سوريا باعتباره مرتبطاً بأولوية المصالح الجيوستراتيجية التي تسعى واشنطن إلى تحقيقها في سوريا والمنطقة بصورة عامة. فهذه المصالح تمثل، عملياً، المقابل للشرعية السياسية التي يتم منحها لسلطة الشرع؛ الأمر الذي يجعلها تتقدم على مسألة إيقاف دعم هذه السلطة بسبب المجازر الجماعية والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها، أو بسبب سعيها إلى فرض سيطرتها على مؤسسات الدولة. وبناءً على ذلك، تبدو المقاربة الأمريكية الراهنة أقرب إلى سياسة إدارة التوازنات واحتواء المخاطر، بدلاً من السعي إلى معالجة الأسباب البنيوية التي تنتج عدم الاستقرار. فالهدف الأساسي يتمثل في منع انزلاق سوريا نحو حالة من الفوضى الشاملة، مقابل تحقيق المصالح الجيواستراتيجية، حتى وإن تطلب ذلك التعامل مع واقع سياسي يحمل تناقضات سياسية وقانونية عميقة متمثلة بتحويل زعيم منظمة إرهابية إلى فاعل سياسي.
إن السؤال المحوري الذي ينبغي طرحه في هذا السياق ليس مرتبطاً بطبيعة المصالح الجيواستراتيجية الأمريكية في سوريا، بل يرتبط بطبيعة التوازن الذي تسعى الولايات المتحدة إلى فرضه أو الحفاظ عليه في البلاد. فحتى وإن كان هذا التوازن مؤقتاً ومبنياً على اعتبارات مرحلية، فإن استمرار ارتباطه بدعم سلطة الشرع قد ينتج تداعيات استراتيجية خطيرة لا تقتصر على مستقبل المنطقة فحسب، بل تمتد مباشرة إلى المصالح الأمريكية ذاتها. ففي الوقت الذي قد تتمكن فيه واشنطن من تحقيق بعض المكاسب الاقتصادية أو الجيوسياسية قصيرة ومتوسطة الأمد من خلال دعمها السياسي لسلطة الشرع، فإن التداعيات بعيدة المدى لهذا الخيار قد تكون أكثر تعقيداً، لا سيما مع استغلال هذه السلطة للغطاء السياسي والوقت المتاح أمامها من أجل ترسيخ وجودها داخل مؤسسات الدولة وفي البنية الاجتماعية والسياسية السورية على حد سواء.
منذ وصوله إلى السلطة، لا يبدو الشرع منشغلاً ببناء مرحلة انتقالية بقدر انشغاله بإعادة بناء هيكلية سلطوية جديدة قائمة على المعايير الراديكالية. فلا يزال عمله مستمراً على تأسيس منظومة أمنية وعسكرية تشبه البنية التي اعتمد عليها نظام الأسد لضمان احتكار القرار السياسي، وعلى تأسيس شبكات نفوذ اقتصادية قائمة على الولاء والمصلحة بما يسمح لدائرة ضيقة بالتحكم بالمفاصل الاستراتيجية للدولة.
في الوقت ذاته، فتح سقوط النظام السابق المجال أمام التيار الجهادي لإعادة تشكيل نمط الحياة الاجتماعي عبر تعزيز خطاب سلفي متشدد، وإعادة صياغة المناهج التعليمية، وفرض قيود متزايدة على أنماط الحياة العامة بما يتعارض مع الطبيعة التعددية للمجتمع السوري. أما على المستوى الدستوري والسياسي، فقد تعمّد من خلال الإعلان الدستوري تركيز صلاحيات شبه مطلقة بيده، وإقرار الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع، وتشكيل مؤسسات تمثيلية صورية عبر آليات تعيين تفتقر إلى الانتخابات المباشرة، وتكشف عن انتقال تدريجي إلى منطق تثبيت الحكم. لذا، فإن الخطر الحقيقي هنا لا يتمثل فقط في الممارسات السلطوية الحالية، بل في احتمال تحول هذه الترتيبات إلى بنية مؤسساتية وأمنية واقتصادية مستقرة يصعب تفكيكها لاحقاً، الأمر الذي يجعل سياسة الاكتفاء بإدارة المخاطر دون معالجة جذور الأزمة أقرب إلى تأجيل انفجار أكبر، لا إلى بناء استقرار مستدام.
إن مجموعة المؤشرات السابقة تقود إلى نتيجة واضحة، وهي أن الشرع يسعى لاستدامته في السلطة السياسية، مستفيداً من الدعم التركي والخليجي، والدعم السياسي الأمريكي. لذا، فإن ما يقوم به من إجراءات تهدف لاستدامة سلطته قد يحولها لاحقاً إلى أوراق ضغط في حال تغير الموقف الدولي تجاهه عموماً والموقف الأمريكي على وجه الخصوص؛ إما نتيجة فشله في الإدارة أو نتيجة عدم قدرته على تلبية متطلبات المصالح الاستراتيجية الأمريكية.
الفشل المقصود في هذا الشأن يتعلق في مدى قدرة الشرع على فرض سيطرة فعلية ومستدامة على مختلف التيارات الجهادية وشبكات المقاتلين الأجانب المنتشرين داخل البلاد. فوجود هذه التيارات، وتعدد مراكز القوة الأيديولوجية والعسكرية، يطرح تساؤلات جدية حول قدرة منظومته الحالية على ضبط الديناميات الداخلية ومنع تحولها إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار. خاصة وأن مختلف تلك التيارات ترى فيها مرتداً عن المبادئ الجهادية التي أعلنها سابقاً خلال تزعّمه لجبهة النصرة، ومتواطئاً مع القوى الغربية الدولية التي تعلن العداء لها بشكل مباشر.
في الوقت ذاته، فإن استمرار وجود شبكات جهادية ذات ارتباطات أيديولوجية وتنظيمية متعددة قد يمنح الشرع قدرة على توظيف تلك الشبكات كأداة ضغط عند مواجهة أزمات داخلية. ويمكن تحليل ما حدث في السويداء في تموز 2025 ضمن هذا السياق، حيث أظهرت قدرة السلطة على تعبئة أعداد كبيرة من المقاتلين عبر خطاب ديني راديكالي قائم على مفهوم الجهاد، وهو ما يثير تساؤلات حول إمكانية استخدام هذا النوع من التعبئة مستقبلاً في حال شعر الشرع بأن موقعه السياسي أو استمراره في الحكم يواجه تهديدات جدية.
بالمقابل، فإن أحد العناصر المهمة في فهم استراتيجية بقاء الشرع يرتبط بالسردية السياسية التي تقوم على اعتبار أن السلطة السياسية في سوريا هي حق محصور بالمكوّن السني حصراً، ولا يمكن قبول التخلّي عنه. ووفق هذا الأمر، تسعى سلطة الشرع إلى تقديم نفسها باعتبارها الممثل السياسي لهذا المكون، واستخدام هذا الخطاب كعامل شرعية داخلية وإقليمية للحفاظ على موقعها في السلطة وتعزيزه عبر بناء شبكة علاقات وتحالفات إقليمية ودولية كقطر وتركيا والسعودية، وتوفير مظلة دعم تساعده على مواجهة أي ضغوط خارجية محتملة بما في ذلك الضغوط الأمريكية المرتبطة بتقديم تنازلات تتوافق مع مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية.
من الناحية العملية، دخلت سوريا مرحلة ما بعد المركزية عندما سقط نظام الأسد وانتقلت إلى مرحلة توزّع مصادر القوة والشرعية والقدرة على الإدارة بين مستويات متعددة، حتى لو لم يكن هذا التوزّع واضحاً من الناحية الهيكلية والمؤسسية، ولم يعد المركز وحده قادراً على إنتاج السلطة أو فرض الإرادة السياسية على كامل الجغرافية. وانطلاقاً من هذا التحول البنيوي، فإن أي استراتيجية أمريكية تتعامل مع سلطة الشرع باعتبارها الممثل الوحيد لمستقبل سوريا ستكون محكومة بتناقض موضوعي مع الوقائع الميدانية. فالنفوذ الحقيقي داخل سوريا أصبح موزعاً بين مكونات محلية تمتلك قدرات سياسية ومجتمعية وأمنية مختلفة، وأصبحت هذه المكونات تمثل بحكم الأمر الواقع، جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي. ولهذا، لم يعد ممكناً حصر الرهان بتحالف مع سلطة الشرع أو أي سلطة مركزية أخرى، بل بات ضرورياً اعتماد منهج بناء تحالفات استراتيجية متعددة المستويات، تقوم على توزيع أدوات الشراكة الأمريكية بين المركز من جهة، والمكونات الفاعلة من جهة أخرى. وهي الوسيلة الرئيسية التي تحفظ الاستقرار المحلي والإقليمي.
تزداد أهمية هذه المسألة إذا أُخذ في الاعتبار احتمال أن يلجأ الشرع لأوراق ضغط للحفاظ على بقائه في السلطة إذا تراجع الدعم السياسي الدولي أو إذا اعتبر أن استمرارية منظومته الحاكمة أصبحت مهددة. ففي مثل هذه الحالة، قد تتحول الشبكات الجهادية التي ينتمي إليها عامل ضغط من خلال تحويلها لمصدر لزعزعة الاستقرار، وهو ما سيرفع كلفة أي محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى أو فرض ترتيبات سياسية بديلة.
من منظور توازن القوى، فإن بناء علاقات مؤسسية مباشرة مع المكونات الأساسية في سوريا يشكّل آلية استراتيجية لإعادة تشكيل التوازن الأمني والسياسي. فالاستقرار في سوريا لا يمكن أن يُبنى فقط من خلال دعم المركز، وإنما من خلال منع المركز من التحول إلى مركز احتكار سياسي وأمني. خاصة وأن هذا المركز ذي طبيعة راديكالية. وبالتالي، فإن إنشاء شبكة شراكات أمريكية مع المكونات الأساسية في سوريا سيؤدي إلى إنتاج توازن ردع سياسي داخلي يجعل سلطة الشرع مضطرة إلى التفاوض والتوافق بدلاً من فرض الإرادة بالقوة، ويشكل استراتيجية استباقية لمنعه من هيكلة نظام مركزي بخلفية دينية راديكالية يشكل خطراً على الأمن الإقليمي كاملاً.
في المحصلة، فإن الاستثمار في بناء شراكات مع المكونات السورية المختلفة أصبح ضرورة استراتيجية لتعزيز التعددية السياسية وإرساء توازنات داخلية أكثر استدامة تسهم في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي. وتزداد أهمية هذا النهج في ظل تشابك وتعارض المصالح الجيوسياسية للقوى الإقليمية الفاعلة في الساحة السورية، وفي مقدمتها إسرائيل وتركيا، الأمر الذي يجعل الاعتماد على سلطة الشرع بمفردها أقل قدرة على حماية المصالح طويلة الأمد أو احتواء التحولات المستقبلية.