رواية أيتام الجبال للروائية نجاة عبدالصمد

مراجعة: مجدي هندي العمّار
كثيراً ما تتحجّر تقاليد المجتمع خلال مئات السنين فتتراكم كتلاً من المحظورات والمحاذير، لتستحيل أسواراً عاليةً تعزل المتقيّدين بها عن تيّار الحياة خارجها. عندها لا بد لتلك الأسوار من أقدامٍ فتيةٍ شقية تتسلّق محظوراتها وتقفز فوق هيبتها. وبطلة قصّتنا فتاةٌ مفعمةٌ بالتّحدّي. لم تنسَ وهي تقفز من فوق أسوار التّقاليد أن تترك أيشاربها معلّقاً عند قمّته شاهداً على قفزتها المجنونة.
“أيتام الجبال” هو الاسم الّذي اختارته الرّوائية نجاة عبد الصّمد لروايتها الأحدث والصّادرة هذه الّسنة عن منشورات الاختلاف بالتّعاون مع منشورات ضفاف ودار سامح للّنشر.
على مدى 397 صفحة من القطع الوسط تسرد لنا بطلة الرواية “سبيل” قصّة صعودها من بيت متواضع على أطراف السّويداء الغربية إلى منصّة تكريم الخريجين في كلّية الطّب البشري في مدينة زاباروجيا الأوكرانية. مع كلّ ما انطوت عليه تلك الرّحلة من تحدّيات وآلام.
مُلخّص الرواية
قصص الأجداد من جبل الشّيخ إلى جبل الدروز
ككل حكايات أبناء الجّبل لا تكتمل قصّة سبيل دون التّوطئة لها بقصص الأسلاف. ابتداءً بالجد الأول الذي هاجر جبال الشّوف في لبنان ليستصلح أرضاً عصيّةً على سفوح جبل الشّيخ وصولاً إلى الجد القريب الذي أجبره عدوان جيران الجبل على الاسّتقرار في قرية درب الحجل حيث سيعيشُ نصف غريب.
الجدّات اللّاتي لم يجدنَ لأنفسهنَّ مكاناً فوق أغصان شجرة العائلة المعلقة في صدر المضافة، وجدن لأنفسهن في سرد “سبيل” قصصاً لا تقل أهمّية عن تلك التي للأجداد. يضاف إليها نكهة الّظلم الإضافيّ الواقع على النّساء في مجتمع ٍ يساط بكلّيته بسياط القهر والفقر و الحروب المتتالية.
حلمٌ تراءى للجد قاد العائلة للانتقال و السّكن على أطراف مدينة السّويداء الغربيّة. أرضٌ لا هي من المدينة ولا من الرّيف لعائلةٍ من الأجاويد لم تجد لنفسها مكاناً في حارة الأجاويد عالية التّكاليف والأسوار بالنّسبة لعائلة فقيرة غريبة.
المجتمع الدّرزيّ في أيتام الجبال
تُسلّط الكاتبة الضّوء على تقسيمات المجتمع الدّرزي بين أجاويد وجهّال، مدنيين وريفيين، غرباء وأبناء عائلات أصيلة كبيرة.
تَظهَر الاختلافات بين فئات المجتمع جليةً بين صفحات الرّواية، وخاصّةً تلك الاختلافات بين فئة الأجاويد والجهّال. ابتداءً من طراز الثّياب وطُرق العيش وليس انتهاءً بالموقف من السّلطة ومؤسّساتها.
ينتمي للأجاويد كلّ درزيّ بالولادة يختار طوعاً الالتزام بتعاليم مذهب التّوحيد (الدّرزية) المتمثّلة في رسائل الحكمة الشّريفة وشروحها المعروفة بشروح الأمير السّيد عبد الله التّنوخي. تتحوّل تلك التّعاليم إلى سلوكٍ يوميٍّ من الزُّهد بالدُّنيا والحرص على كسب الرّزق من أبوابه الحلال حصراً. فمال الحكام والحكومة نَجِسْ ما يَحرِم أبناء الأجاويد من فُرص الوظائف والرّواتب الحكومية.
أمّا نساء الأجاويد فلهن أيضاً نصيبٌ من تعاليم المذهب على رأسها الحشمة في الملبس والحرص على عدم التّفوُّه بالكلام البذيء وعدم السّفر إلّا لضرورة وبرفقة محرم.
تلقّي العلم في المدارس الحكومية محدودٌ بسقف الصّفّ الخامس الابتدائي ما يكفي أبناء الأجاويد لتعلّم القراءة والكتابة مع تجنّب الحصول على شهادة دراسيّة قد تغري حاملها بالوظيفة الحكوميّة وتلقي الرّواتب من مال الحكّام (النَّجِس).
على الضّفة الأخرى من المجتمع الدّرزيّ تعيش فئة الجهّال وهؤلاء وإنّ كانوا ينتمون للمذهب بالولادة إلّا أنّهم لم يختاروا بعد الالتزام بتعاليم المذهب كاملةً كما فعل الأجاويد. يعيش الجهّال حياةً متحررةً من قيود الدّين إلّا قليلها الذي يتسرّب أثراً خفيفاً إلى الثّقافة العّامة للمجتمع.
يعملون في كلِّ المهن والوظائف حكوميّةً وغير حكوميّة وهم أقلّ تشدّداً فيما يخصّ حشمة الملبس للنّساء وأكثر أقبالاً على تعليم أبنائهم ذكوراً أو إناثاً.
وبينما ينظر الجهّال لمجتمع الأجاويد المغلق نظرةً فوقيَّة يدعمها التفوُّق العلميّ والانفتاح على الحضارات والثقافات الأخرى، تسود أوساط الأجاويد فكرة تفوّق أخلاقيّ ودينيّ تدعمها أعرافٌ دينيّة تصنّف كلّ من لا يتّبِع تعاليم المذهب في زمرة الجهَلَة أو العصاة.
تُفاجأ سبيل بعنجهيّة مديرة المدرسة في الرد على طلب والد البطلة تسجيل بناته لديها، ولكنها تفهم المعادلة لاحقاً:
” ما شأن الأجاويد بالمدرسة والعلوم، وكيف تجرؤ وتطلب مني أن أسجّل هذه البنت القميئة الثانية في الصف الثاني دفعة واحدة؟”
وفي موضع آخر من الرواية يحاول ابن أحد الأجاويد اقناع والده أن يخطب له بنت من بنات الجهّال:
” كلاهما درزيان وبينهما سد. أهله أجاويد وأهلها جُهّال. توسّل لأبيه ليخطبها له، وأبى: لا يا إبني. حدّ الله بين الموحّدين والمرتدّين.”
تصّنيف آخر يظهر في الرّواية يقسّم المجتمع الدّرزي بين مدنيّين وقرويين، فبرغم أنّ مدينة السّويداء في ذلك الزّمن لم تكن أكثر من قرية كبيرة أو بلدة، إلّا أنّ سكّانها رأوا في أنفسهم ما يميّزها عن أبناء القرى. هذا التّعالي يجد في تفاوت الحالة الماديّة بين الرّيف والمدينة ما يدعمه، فأهل المدينة أكثر ترفاً مقارنة بأبناء القرى وتصلهم الخدمات العامّة بصورةٍ أفضل وأبكر.
آخر التّصّنيفات التي أظهرتها الرّواية ولو بشكل أقل هو التمييز بين أبناء العائلات الكبيرة وأولئك الذين لا عزوة كبيرة لهم تحميهم وتشدّ أزرهم. تصّنيف سيحاول الشّيخ حسن والد سبيل والشّخصيّة المركزيّة الثّانية في الرّواية أن يلتفَّ عليه من خلال إتقانه التّلاوة وحفظه الجيد للكثير من رسائل الحكمة ما سيجعل أبناء العائلات الكبيرة يُقدّمونه عليهم، ليجلس في صدارة مجالس الذكر.
في خضمّ كلّ تلك التّصّنيفات تجد بطلتنا نفسها سلفاً في أدنى الدّرجات فهي في المدرسة بنت الجويّد المنبوذة من مجتمع الجهّال، وفي المدينة بنت القرية الفقيرة المحتقرة، وهي بين بنات الأجاويد بنت الغريب الفقير قليل العزوة.
تقول سبيل:
“انسكب الدّرس القسّريّ الجديد، عسير الهضم: بنات الجهّال يَرَين أنفسهنَّ أعلى من بنات الأجاويد، كما بنات المدينة أعلى من بنات الرّيف، والبنت التي يسكن أهلها وسط المدينة أعلى من بنت الذين يسكنون على طرفها، تحت، وبنات الآنسات أعلى من الجميع، وأنا واشتياق (الطُّشّ)، الأخيرات في جميع المراتب، وأنا أدنى من اشتياق لأنّها أكبر مني”
شعور النقص هذا عزّزته علاقة مرتبكة مع أمّ ٍ غير مكترثة ببناتها التسعة في انتظار طفلها الذكر، وأب لم يتقن يوماً احتضان بناته وتقبيلهنّ فأورثهن فراغاً عاطفياً خطيراً. وزاد الطّين بلّة تفاوت واضح بالجمال بين بطلتنا وأختها الكبرى “اشتياق” وعزوف الشّباب عن طلب يدها مقابل تقاطرهم لطلب ودِّ اشتياق. وسلسلة من الشبان اللّائي أحبّتهم سبيل دون أن يُبادلوها المشاعر.
كلُّ ما سبق كان كفيلاً بإغراق سبيل في بحرٍ من الإحباط لا نهاية له وتعّميق شعورٍ دائم لديها بأنّها غيرُ مرغوبة وتكاد تكون غير مرئية.
التحدّي والفوز
تقابل سبيل كلّ تلك التّصّنيفات بعنادٍ مميزٍ موروث، لتحوز بالجد والذّكاء إعجاب مٌدرّساتها أولاً ثم تتّخذ من هذا الإنجاز الأولي قاعدةً للانطلاق نحو المزيد حتى ينتهي بها المطاف خرّيجةً من كلّيّة الطّب تلقي كلمة الطّلاب الأجانب من على منبر الجامعة في زاباروجيا الأوكرانية.
الغربة والنّفور من دراسة الطّب وصورةٌ في خيالها لأبٍ رفض وداعها والدّعاء لها قبل سفرها، ستجعل من السّنوات الأولى في زاباروجيا ثقيلة الوطأة على نفس سبيل، لكن الفرج يأتيها من بوّابة الحب هذه المرّة. ثم لا تلبث أن تسير الأمور كما تشتهيها في النهاية.
السّرد والحبكة واللّغة
استخدام السّرد بطريقة المتكلم “سبيل” مع ما يجمع بين الكاتبة والبطلة من مشتركات يسوّغان للقارئ التّواطؤ مع الفكرة القائلة أنَّ “أيتام الجبال” ما هي إلّا سيرة ذاتية لكاتبتها.
اختارت الكاتبة حبكةً ذات خطّين رئيسيّين يتشابكان ويتكاملان دون أن تفقد الرّواية وحدتها وانسجامها أو تربك القارئ، فتنقّلت بسلاسةٍ بين سرد ذكرياتها في السويداء والحديث عن تجربتها في بلاد السوفييت. كما عرّجت في حبكات فرعية داعمة على قصص تعود لأجداد وأقارب ومعارف البطلة في أماكن وأزمنة مختلفة. هذا التبادل بين خطيّ الحبكة خلق شيئاً من التشويق وأبعد عن القارئ شبح الملل الذي يصيب القرّاء في بعض الروايات ذات الخطّ الأوحد التصاعدي.
اعتمدت الكاتبة مزيجاً من الفصحى والعامية كلغة للرواية. ولم يكن هذا المزيج ليشكّل نقطة ضعف لو تم الفصل بين الجمل العامية والفصحى بطريقة أكثر دقّة، لكن مرور جملة هنا أو هناك تبدأ بأسلوب فصيح لتنتهي بكلمة عامية أو العكس أعطى أثراً منفّراً بعض الشيء.
يقول العمّ المثقّف لوالد البطلة في محاولة لإقناعه بتعليم البنات:
” إذا ما علمّت بناتك مش راح علم أولادي. بتتحمل وزر أن ينشأ أولادنا جاهلين، والكل من حولهم متعلمين.”
أخيراً ….
لا أدري إنّ كان من سوء حظّ الكاتبة أم من حسن حظّها أن يتزامن إصدار روايتها هذه مع هجمة الإبادة التي تعرض لها المجتمع الدّرزيّ وما يواجهه من تحديات مصيرية.
فمن جهةٍ تصاعد اهتمام القرّاء العرب مؤخراً بكل ما يمتُّ للموحّدين الدّروز بِصلة، رغبةً منهم بالتعرّف أكثر على هذه الطائفة التي ملأت أخبارها وصور ضحاياها بين ليلة وضحاها نشرات الأخبار، ما قد ينعكس إيجاباً على مبيعات الرّواية وانتشارها.
أما على الجهة الأخرى فقد ازدادت حساسيّة مجتمع الموحِّدين الدّروز لكلِّ نقدٍ يطال ثقافتهم أو رجال الدّين عندهم. ففي ظلِّ ما يتعرّضون له من تهديد وجوديّ لا يملكون في الوقت الحالي على الأقل ترف تقبل انتقاد منظومتهم الاجتماعية السائدة. فيبدو لهم أيُّ نقد يوجه للطائفة في هذا الوقت أشبه بطعنة في الظّهر لا تُغتَفر.
مجدي هندي العمّار
بكالوريوس في تكنولوجيا المعلومات
كاتب وشاعر مقلّ
مهتم بكل ما يتصل بالسياسة والتاريخ والأدب
Swaida Intellectual Digital Magazine 1, 2026, ISSN: 3099-3172 (online)