السيرة المعمارية للمكان: قراءة سوسيولوجية في السويداء عبر نص نجاة عبد الصمد
بين جزالة الأدب ورصانة التوثيق: السويداء في مرآة “لا ماء يرويها”
تطرح “مجلة السويداء الفكرية الرقمية” في هذا القسم (تحليلات معمقة) فصلاً من رواية “لا ماء يرويها” للروائية والطبيبة نجاة عبد الصمد، الحائزة على جائزة كتارا للرواية العربية. إن اختيار هذا النص لا يأتي من باب العرض الأدبي فحسب، بل لكونه يمثل “تخطيطاً طبوغرافياً وسوسيولوجياً” يوصف السويداء بعين أبنائها.
تقدم عبد الصمد في هذا النص ما يمكن تسميته بـ “السيرة المعمارية للمكان”، حيث ترصد تداخل الطبقات الحضارية (نبطية، يونانية، رومانية، غسانية، وصولاً إلى العثمانية والفرنسية) ليس كأطلال صماء، بل كفاعلية حية شكلت وجدان الإنسان الدرزي في الجبل. يقدم النص مادة غنية للباحثين في الأنثروبولوجيا الثقافية، إذ يفكك التناقض العجيب بين “نهم الحداثة” و”الولاء للماضي”، ويرسم ملامح التحول من “العمران الحوراني الكلاسيكي” إلى “القصور الاغترابية” التي غيّرت وجه المدينة وسلوكها الاجتماعي.
فصل من رواية: “لا ماء يرويها”، اختارته للمجلة الدكتورة نجاة عبد الصمد.
السويداء.. طفلةُ ريفٍ تنام في طمأنينتها إلى هوائها النغِش وتفهُّم ساكنيها اللا مشروط لقسوة الجغرافيا ووصايا الأمير السيد التنوخيّ أن تبقى سلالاته نقيّة.
في السلم يبكي أهلُها إن جرّ شاعرٌ قوساً على وتر الربابة، يدوخون جوىً إن أسمعتهم مطلوع عتابا، تُذيبُ قلوبَهم بحّةُ المجوز، ويُطعَنون عشقاً إن تمايلتْ صباياهم في رقصة اللوحة.
وفي الحرب يحملهم هديرُ الجوفية إلى حتفهم واثقين.
تحبو السويداء على حفاف جبلها الريّان، يتحصّن أهلها بوعورة اللجاة غرباً شمالاً، وشموخ القليب شرقاً جنوباً، ويديرون أعينهم عن امتداد السهول غرباً حتى قلب حوران.
إن رحل أهلُها عنها حملوا معهم عشقَها في سلال القلوب. ما إن يلتقي اثنان منهم في أقصى المعمورة حتى يبثّا شيفرةً سريّةً تُوطّد عروتهما الوثقى كعظم الرقَبة.
في السلم قليلاً يستذكر أهلها الدين، وفي الحرب يعتصمون به حبل خلاص. وجميعهم يكرمون الضيف كائناً من كان، ويُبقون بينهم وبينه زنّار حذَر. وفيما بينهم يقتتلون، يستعلي ابن المدينة على ابن الريف أو الأصول الريفية، ويتكّئ ابن العائلة المكينة على كرامات جده ليصيح في وجه ابن العائلة المغمورة: ابن مان انت حتى تحكي؟
قد ترفع العائلة ابنها إلى أعلى وأعلى، أو تنزله إلى دركٍ غائرٍ وتسوطه بالنمائم البريئة أو الحاقدة كائناً ما كان عقله أو شهادته العلمية.
إن مرّ الغريب في نهار المدينة يأمن لناسها، وإن جاءها بعد مغيب الشمس أفزعتْه طرقاتُها المقفرة منهم، كأنّهم جميعاً تواروا على انتظار كارثةٍ غير مرئية.
ونساؤها عاليات، لهنّ مقام كاملات العقل والدين، يمدحونهنّ فيقولون: “أخوات الرجال”، يربين الرجال ويعتنين بالأهل ويحفظن أرزاق الزوج والأهل، ولا يورث الأهل والزوج أرزاقهم للنساء.
وشباب المدينة وصباياها لا يبالون، يتسابقون إلى انفتاح العقول واكتساب العلوم وتذوّق الفنون وقيافة الهندام.
والمدينة، السويداء، تُبطن تناقضها العجيب بين نهم أبنائها للحضارة وولائهم لماضيها.
لم يخلد اليونان في أرضها وإن كانوا نقشوا على أحجارها وعوداً لآلهتهم بالخلود: (النوم يتملّكك أيها السعيد. يا سابنيوس الإلهي، ستعيش كما الأبطال ولن تموت أبداً، ستعيش راقداً في القبر، حيّاً تحت الأشجار، لأن نفوس الورعين ستعيش خالدة).
هي (سؤادا) الأنباط ذاتُ الحجارة السوداء بنتِ طبيعتها البركانية، معشوقةُ إلهِها النبطي “ذو الشراة”. مات ذو الشراة مع موت العهود الوثنية وتقمّصتْ روحه جسد طائرٍ مفتونٍ بشبابيكها العالية.
وجاء الرومان وأسموها ديونيسياس تيمّناً بالربّ ديونيسوس، وهندسوا أحياءها شبيهةً بروما فاكتملت؛ بازلتاً أبيّاً ونبيذاً مقطورا. حينها نصبوا قوس الكنيسة الصغرى البيزنطية شامةً على مدخلها الشرقي.
وآلت المدينة من بعد الرومان إلى الغساسنة العرب ومن بعدهم للحكم العربي، وفي عهود الضيق والبلبلة أقفرت إلا من بعض قبائل البدو ترد ماءها في الربيع وترحل، فآنسها العرب الدروز منذ قرونٍ ثلاثة، ومرّ بأرضهم الأتراك وخابوا، ومن بعدهم جيوش فرنسا.
وظلّت أرواح بيوتهم عربية، وأسماؤهم عربية، وظلّ اسم الخبز في بيوتهم: العربي، وقهوتهم عربية، وزيّهم عربي.
ما تزال أطلال قلعةٍ بناها العثمانيون في السويداء. هم رحلوا وهي تناطر شروق الشمس. وما يزال وسط السوق فندقٌ وحيدٌ مهجور، تهدَّمَ سقفُه، وتدلّلتْ غصون القُرّاص بالندى بين شقوق حيطانه، وتندّتْ أوراق الطحلب بالحنين.
وما تزال بصمات معماريّي آل الشويري اللبنانيين منذ استقدمتهم فرنسا من جبال المتن في لبنان ليبنوا نسقاً دامغاً لحقبة استعمارها: أبنيةً بطابقين وروفٍ مجلّلٍ بالقرميد، أجملها قصر أسمهان بفتحات نوافذه الصغيرة ووجائب الأرض الفسيحة حوله، مزروعة بأنواع غريبةٍ وفاتنةٍ من الشجر والنبات دائم الخضرة.
رحلتْ فرنسا والزرع لم يرحل.
وصار اسم قوس الكنيسة الصغرى: (المشنقة)، وإلى الغرب منها دُفنتْ بركة السورية النبطية، رُدِم خزّان الماء الساقي الناسَ والأرض لمئات من السنين خلت، وأقيم فوقه موقف عزاءٍ يحتفي بالموت ويُسقى ببكاء الأحياء على الموتى.
وظلّتْ بقايا كنيسةٍ كبرى ابتلى الهجرانُ والإهمال والأوساخ قناطرها الحجر. وانطمر تحت الأرض مسرحان؛ كبيرٌ وصغير.
في بيتٍ مستوحدٍ قرب المسرح المطمور تقيم عجوزٌ مستوحدةٌ مثله، كل ليلةٍ تغتسل وتلتفّ بالكفن الأبيض وتنام في تابوتٍ حجريٍّ يقيم في البيت من قبل أن تولد.
واحتفظتْ المدينة بطابع فقرها المزمن وإن رقّشها المغتربون بالقصور حين عادوا.
ركع المغتربون في شبابهم لجواز سفرٍ يُهجّجهم إلى المنافي، واستماتوا في خريف العمر للعودة وامتلاك مرقد عنزة للعيش، وقبرٍ لحين الموت. عادوا بنماذج قصورٍ من طراز عصر النهضة الأوربية، واستقدموا الحجرَ الكلسيّ الأبيض أو الأسمر الضارب إلى صفرة من مقالع دمّر أو حماة أو حلب أو الأردن؟
أوكل مغتربو نيجيريا بناء قصورهم إلى متعهّدٍ واحد، الخواجة يوسف بلكنتِه الارستقراطية، والبنطال والقميص السبور، والبرنيطة العاجيّة المعقودة إلى ذقنه. كان الخواجة يبني القصور، ويعيش في الكارافان. أدهشَ أولادَ الحارات ببيتٍ يمشي على دواليب. زرع في المدينة وبعض قراها تصاميم قصورٍ كان قد بناها لأثرياء لبنان. بيوتٌ هائلة المساحات، مضافاتٌ تستوعب مائة ضيف، ردهاتٌ كصالات أفراحٍ صيفية، كراجاتٌ فسيحة، غرف نوم بحماماتٍ داخليةٍ واسعةٍ كميدان. بيوتٌ تشتهي أن تكون لأصحابها سكناً دائماً لا محطّةً يُؤابُ إليها في أرذل العمر.
خاتمة تحريرية: السويداء كخزان للمخيال والتحولات الاجتماعية
إن القيمة المرجعية لهذا النص، تكمن في قدرته على توثيق “لحظة الانكسار والتحول” في بنية المجتمع المحلي. فمن خلال رصدها لظاهرة “المغتربين” وعودتهم بنماذج معمارية غريبة عن البيئة البركانية (الحجر الكلسي مقابل البازلت)، تضعنا عبد الصمد أمام سؤال الهوية البصرية وأثرها في تفكيك العصبية الاجتماعية التقليدية لصالح مفاخرة العائلات “المكينة” والمغمورة.
تحول “بركة السورية” النبطية إلى “موقف عزاء”، وتحول “قوس الكنيسة” إلى “مشنقة”، ليست مجرد صور أدبية، بل هي توثيق لعملية “إعادة تأويل الفضاء العام” في السويداء، حيث يطغى الحزن والانتظار الكارثي على الوظيفة الحياتية للمكان. يظل هذا النص مرجعاً مهماً لكل باحث يرغب في فهم “سيكولوجية المكان” في الجنوب السوري، وكيف تتصالح (أو تتصارع) الأساطير النبطية القديمة مع عقلية “الخواجة يوسف” الحداثية في إطار جغرافي واحد لا يزال يبحث عن “مائه” الذي يرويه.
معلومات النشر للتوثيق:
اللغة الأصلية: العربية (تخضع للترجمة ضمن سياسة المجلة).
الكاتبة: نجاة عبد الصمد
المصدر: رواية “لا ماء يرويها”، نجاة عبد الصمد، منشورات ضفاف (بيروت) والاتلاف (الجزائر)، 2017.
تصنيف المادة: تحليلات معمقة – توثيق سوسيولوجي مكاني.
Swaida Intellectual Digital Magazine. (2026). Vol. 1(4). ISSN: 3099-3172 (online).