Swaida Magazine Logo

 شعراء العرب  في بلاط الدروز 

لماهر شرف الدين

تُمثّل دراسة التاريخ العربي الحديث، لا سيما في لحظات المفاصل الكبرى للتحرر الوطني، حقلاً استثنائياً يتقاطع فيه الوجداني بالوثائقي، ويتعانق فيه الفعل الثوري بالبيان الأدبي. وفي هذا السياق، يأتي كتاب «شعراء العرب في بلاط الدروز» للكاتب ماهر شرف الدين (الصادر عن منشورات الكاتب، الطبعة الأولى، 2026)، ليقدم أطروحة فكرية وتاريخية نقدية تتمحور حول «التأريخ بالشعر»، معيداً تشكيل الصورة الأيقونية الملحمية لدور بني معروف (الدروز) في تاريخ المشرق العربي الحديث، وتحديداً في قمة لحظاته التحررية المتمثلة في الثورة السورية الكبرى (1925–1927).

أولًا: الإشكالية المركزية والأطروحة المنهجية

لا يطرح الكتاب نفسه بوصفه مجرد انثولوجيا شعرية أو مجمع أبيات قيلت في مناسبة تاريخية، بل ينطلق من إشكالية مركزية مزدوجة:

  1. الجزء المنهجي والمعرفي: مدى صلاحية الشعر الكلاسيكي والحديث كوثيقة تاريخية ووجدانية فريدة تُقاد بجانب وثائق الأرشيف الرسمي.
  2. الجزء السياسي والثقافي الراهن: مواجهة ما يصفه المؤلف بـ «أكبر حملة لتزوير التاريخ وتحريفه وقلب وقائعه في بلاد الشام»، والتي تستهدف الدور الطليعي والتاريخي للدروز في الثورات ضد المستعمرين، ومحاولة طمس الركيزة المركزية التي شكّلوها في الثورة السورية الكبرى.

تتلخص أطروحة المؤلف الأساسية في أن الثورة السورية الكبرى لم تكن في مبدئها وانطلاقتها ورصيدها البشري وتضحياتها سوى ثورة ذات ثقل ومعمار درزي حاسم في فصولها الأولى، حتى وإن اتسعت أبعادها القومية والوطنية لاحقاً. ويستند شرف الدين في إثبات ذلك إلى منطق دمج الاستشهاد التاريخي بالمدونة الشعرية، حيث يرى أن الشعراء العرب المعاصرين للحدث، من مختلف أقطار العالم العربي، كانوا شهود عيان ووجدان وثّقوا هذه الحقيقة قبل أن تطالها يد التسييس والتأويل الأيديولوجي أو التهميش الطائفي اللاحق.

ثانياً: المعمار البنائي والمصادر

يتأسس الكتاب على بنية محكمة تمتد عبر مقدمة نقدية متماسكة (الصفحات 7–23)، تليها نصوص وافية ومحققة لـ أكثر من 50 قصيدة لأكثر من 30 شاعراً عربياً، مقسمة وفق سياقات الفصحى، والشعر المحكي (في قسم خاص)، متبوعة بملحق وثائقي يحتوي على شهادات ونصوص تاريخية وصور نادرة.

يرتكز المؤلف في بناء مادته وتوثيق وقائعها على خطة منهجية تزاوج بين الأرشيف التاريخي والمذكرات الشخصية من جهة، والدوريات والدواوين والصحف المعاصرة للحدث من جهة أخرى. ومن بين هذه الدوريات كان من اللافت الاستناد إلى أرشيف مجلة «الرسالة» المصرية (حيث كشف الكاتب عن قصيدة غير مكتملة لأحمد شوقي بعنوان «جبل الدروز» نُشرت عام 1933).

ثالثًا: قراءة في المضمون والتحليل الشعري التوثيقي

ينجح الكتاب في عقد المقارنة بين التاريخ المكتوب بقلم السلطة والتاريخ المنقوش بلسان الشعراء. فهو يسلط الضوء على مفارقات تاريخية بالغة الدلالة:

  1. قصيدة أحمد شوقي (سلام من صبا بردى أرق): يكشف التحليل النقدي للكتاب كيف أن هذه القصيدة التي تعد من أشهر عيون الشعر العربي الحديث، قد تعرض مقطعها المتعلق بالدروز والجبل للتعتيم والقص الممنهج في المناهج والمحافل العامة. فشوقي يصف الدروز بأنهم:

وما كان الدروز قبيل شرٍّ وإن أُخذوا بما لم يستحقوا

ولكن ذادةٌ وقراةُ ضيفٍ كينبوع الصفا خشنوا ورقوا

بل ويربط قيمهم بشخصية السموأل الثقافية والرمزية (كل جهاته شرف وخُلق).

2. صوت المهجر (رشيد سليم الخوري – القروي): يُبرز الكتاب القروي بوصفه أكثر الشعراء العرب التزاماً بتمجيد الثورة الدرزية وقائدها سلطان الأطرش، من خلال قصائد فارقة مثل «سلطان باشا الأطرش والتنك )الدبابة، و*«الاستقلال حق لا هبة»، و«بطل الصحراء»*. ويضيء الكاتب على الظاهرة ذاتها المتمثلة في اقتطاع اسم سلطان الأطرش والدروز من منشورات (الإنترنت) الحديثة للقصيدة، لإفراغها من سياقها المرجعي.

3. التنوع الجغرافي والفكري لشعراء البلاط:
يمتد قوس الشعراء في الكتاب ليشمل أقطار المشرق والمغرب العربي ومهاجره:

  • من العراق: معروف الرصافي الذي شبه دمشق بالمريض والدروز بالطبيب («باتت دمشق لهم ترنو نواظرها…»)، وجميل صدقي الزهاوي، وعبد المحسن الكاظمي.
  • من مصر: حافظ إبراهيم، وأحمد زكي أبو شادي، ومحمود رمزي نظيم («شاعر المظاهرات»).
  • من سوريا ولبنان: محمد البزم، وعز الدين التنوخي، وخير الدين الزركلي، إلياس فرحات، وعباس أبو شقرا.
    3. تثبيت الوقائع العسكرية بالشعر: يظهر التحليل النقدي كيف وثق الشعراء المعارك المفصلية الكبرى مثل معركة المزرعة (أغسطس 1925) وهزيمة حملة الجنرال ميشو، ومعركة الكفر والمسيفرة، واستشهاد القادة الميدانيين مثل فؤاد سليم في مجدل شمس.

رابعًا: التقييم النقدي: نقاط القوة والحدود

أ) نقاط القوة والإسهام العلمي:

  • الجمع بين الحس النقدي والأمانة التوثيقية: يقدّم المؤلف حواشي وتحقيقاً لغوياً وتاريخياً ودقيقاً للقصائد والأعلام والوقائع الجغرافية، ما يجعل الكتاب مرجعاً محققاً يستفيد منه الباحثون في الأدب والتاريخ على حد سواء.
  • الرد المنهجي على تشويه المناهج والسرديات: يقدم الكتاب تفكيكاً علمياً لكيفية نشوء التشويه التاريخي، حيث يستشهد بـ «منير الريس» لشرح كيف اضطرت «اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني» في القاهرة إلى تركيز بياناتها على مجموعات الغوطة (كعصابة حسن الخراط) بهدف الرد السياسي أمام عصبة الأمم على الادعاء الفرنسي بأن الثورة مجرد «تمرد درزي محلي»، وهو التكتيك الإعلامي الذي انقلب لاحقاً إلى كتابة تاريخية مجتزأة.
  • الاكتشافات الأرشيفية: يحسب للمؤلف كشفه عن نص غير مكتمل لأمير الشعراء أحمد شوقي في أرشيف مجلة «الرسالة» لعام 1933، وهو كشف يضيف رصيداً جديداً لمدونة شوقي الشعرية وللتاريخ الأدبي لثورة الجبل.

ب) الحدود والأسئلة النقدية المفتوحة:

  • طغيان النبرة السجالية في المقدمة: بالرغم من المشروعية التاريخية والوطنية التي ينطلق منها المؤلف لرفض المحاولات المعاصرة لتزييف تاريخ الدروز، فإن لغة المقدمة جاءت مشحونة بنبرة سجالية عالية وتوتر انفعالي تجاه القوى والأيديولوجيات المعاصرة (مثل وصف بعض الأطراف بـ «رعاع الإسلاميين» أو «مشاهير الميديا المزورين»). وعلى الرغم من تبرير المؤلف لهذه النبرة بظروف الحصار والتهجير الراهنة التي كتب فيها مقدمته (السويداء، آذار 2026)، إلا أن الرزانة الأكاديمية الصارمة كانت تقتضي الإبقاء على لغة التفكيك التاريخي والمستندي الجاف لتترك للوثائق الشعرية والتاريخية مهمة الاقناع بنفسها.
  • حدود التسمية («بلاط الدروز»): يعتمد العنوان استعارة «البلاط»، وهي استعارة تراثية ترتبط بمجالس الملوك والأمراء. وبينما يُدرك المقصد المجازي منها للإشارة إلى مكانة الجبل وقادته ككعبة لأحرار الشعراء، فإن طبيعة المجتمع الدرزي والثورة كانت تقوم على قيم مشاعية وثورية وجبلية نائية عن مفهوم «البلاط» السلطوي التقليدي، وهو ما كان يمكن للمؤلف إضاءته أو مراجعته مفهومياً.

خاتمة

يقدم كتاب «شعراء العرب في بلاط الدروز» لماهر شرف الدين إلهاماً بحثياً واستعادة واعية للذاكرة. إنه عمل لا يكتفي بإعادة بناء الأرشيف الشعري لثورة 1925، بل يطرح تساؤلات عميقة حول كيفية تشكل السرديات التاريخية، وكيف يتحول التهميش الطائفي أو الأيديولوجي إلى أداة لمحو مآثر الفئات الطليعية التي صنعت استقلال الأوطان.

إن ميزة هذا الكتاب الحقيقية لا تكمن فقط في كونه وثيقة نقدية وأدبية رصينة تحمي التراث الأدبي والتاريخي للدروز من التبديل، بل في قدرته على إعادة تأكيد الحقيقة التاريخية الراسخة، أن دماء الثوار في جبل الدروز، وأصداء قصائد كبار شعراء الأمة في مدحهم، تشكل جزءاً لا يتجزأ من تاريخ المنطقة. ومن ثمّ، فإن الكتاب يُعدّ مرجعاً علمياً وأدبياً واجب القراءة لكل مهتم بتاريخ سوريا الحديث، وبدراسات الأدب السياسي والاجتماعي.