Skip to content Skip to footer

المسؤولية الدولية تجاه الانتهاكات في السويداء: قراءة قانونية في ازدواجية المعايير

image_print

د. رائد غانم – متخصص في القانون الدولي لحقوق الإنسان

مقدمة

عندما تعرّض المجتمع الإيزيدي لمحاولة إبادة على يد تنظيم داعش، استُنفِر المجتمع الدولي، وأطلقت عدة دول برامج دعم نفسي واجتماعي للناجيات من العنف والاغتصاب. فضلاً عن أن ذلك الهجوم قد شكّل سبباً في تشكيل تحالف دولي لمواجهة التنظيم. وقد تبع ذلك اعترافات رسمية بأن تلك الانتهاكات تمثل جرائم إبادة جماعية ما يجعلها ترقى وفق معايير القانون الدولي إلى وصف جرائم ضد الإنسانية. ففي كانون الثاني 2023 اعتبر البرلمان الألماني جرائم داعش ضد الإيزيديين إبادة جماعية، وفي كانون الأول 2024 صوّت البرلمان السويسري بالإجماع على الاعتراف بهذه الجرائم كإبادة جماعية، وفي آب 2023 اعتبرت الحكومة البريطانية أن ممارسات داعش بحق الإيزيديين عام 2014 في العراق تشكل إبادة جماعية. كما وجّهت محاكم أوروبية، أبرزها في ألمانيا، اتهامات لعناصر داعش بارتكاب جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية في محاكمات جرت وتجري خلال السنوات الأخيرة.

ومع ذلك، يلتزم المجتمع الدولي اليوم صمتاً واضحاً إزاء الانتهاكات التي استهدفت أبناء المجتمع الدرزي في السويداء، بما في ذلك حالات العنف والاغتصاب التي طالت نساء على يد جهة حكومية وقوات تابعة لها. وهنا لابد من التوقف عند نقطة مهمة وهي أنه، ومن حيث المبدأ، لا يميّز القانون الدولي بين مرتكب هذه الجرائم، سواء كان تنظيماً إرهابياً أو سلطة رسمية، والأساس هو أن أي أفعال تُرتكب على نحو منظم أو واسع النطاق تندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي. لكن في حالة السويداء لم يعكس التعاطي الدولي مع هذه الانتهاكات المعايير نفسها التي طُبّقت في الحالة الإيزيدية، الأمر الذي يثير سؤالا في غاية الأهمية ليس فقط سياسياً، وإنما قانونياً: 

كيف يمكن تفسير هذا التفاوت في الموقف، بينما الإطار القانوني الذي حكم جرائم داعش ينطبق بالقدر ذاته على الانتهاكات المرتكبة من قبل جهة حكومية؟ وكيف لا يُقرأ هذا الصمت على أنه تساهل يسمح بإعادة إنتاج أنماط من الانتهاكات سبق أن قامت بها تنظيمات إرهابية، وربما باستخدام نفس الأشخاص؟

توصيف النزاع القانوني

شهدت محافظة السويداء خلال الأشهر الماضية سلسلة أحداث عنف ممنهج، اتخذت في بعض مراحلها طابعاً هجومياً استهدف المدنيين على أسس دينية وجماعية وقد بلغ ذروته في منتصف تموز الماضي. وهنا تتجلى ضرورة تحديد طبيعة النزاع كخطوة أساسية وبالغة الأهمية تترتب عليها بشكل مباشر معرفة القواعد القانونية الواجبة التطبيق. 

تشير بنية الهجمات وتعدد القوى المنخرطة فيها، من مجموعات مسلحة محلية ومقاتلين أجانب وتنظيمات عابرة للحدود، إلى وجود نزاع مسلح غير دولي، وفق المعايير التي أرستها المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة. وبالتالي تصبح المادة 3 المشتركة من اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني العرفي الإطار القانوني الحاكم، مع إمكانية تطبيق بعض أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان بحكم ارتباط الدولة السورية بالتزامات قانونية بحماية المدنيين.

تكييف الانتهاكات استناداً إلى القانون الدولي

بالنظر إلى شكل وطبيعة الانتهاكات التي ارتكبت في السويداء يمكن تمييز بعضها استناداً إلى عامل الأهمية وليس على سبيل الحصر.

الهجمات ضد المدنيين

بالنظر إلى أن القانون الدولي يحظر استهداف المدنيين بشكل مطلق، فإن الهجمات على بلدات وقرى مدنية في السويداء، والقصف العشوائي دون تمييز بين مقاتل وغير مقاتل (كما أظهرت بعض الأدلة)، تشكل انتهاكاً جسيماً، وقد ترقى إلى جريمة حرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي.

استهداف جماعة دينية محددة (الدروز)

تتضمن بعض الوقائع دلائل على استهداف جماعة دينية محددة، سواء عبر الخطاب المرافق للهجمات، أو نمط الانتقاء الميداني للضحايا، أو بعض الممارسات ذات الدلالات العقائدية مثل إعدام ميداني بعد سؤال الشخص عن دينه وحرق دور العبادة وإهانة الشيوخ والرموز الدينة. قانونياً وفق نظام روما، يُعتَبر الهجوم على جماعة محددة على أساس ديني أو هوياتي جريمة اضطهاد، وهي إحدى الجرائم ضد الإنسانية إذا ارتبطت بسياسة منهجية أو نمط متكرر.

وجود مقاتلين أجانب

تظهر بعض الأدلة المصورة أن مقاتلين أجانب قد شاركوا في العمليات الموجهة ضد مناطق في السويداء، الأمر الذي ينقل الانتهاكات إلى خانة الجريمة المنظمة عبر الحدود والجرائم الإرهابية، ويخضع لاختصاص واسع بموجب قرارات مجلس الأمن (2170 و2178).

المعاملة غير الإنسانية للجثث

وردت تقارير عن سوء معاملة جثث الضحايا أو تركها دون دفن أو نقل لائق، كما أظهرت مجموعة من الصور جثثا متحللة بالكامل في الشوارع وبين البيوت في بعض القرى التي لا تزال تحت سيطرة القوات الحكومية. تشكل هذه الانتهاكات خرقاً مباشراً للقاعدة 115 من القانون الدولي الإنساني العرفي، والمادة 17 من البروتوكول الإضافي الأول بما يجعلها جزءاً من جرائم الحرب بعد التحقق من عاملي التكرار والقصد.

المسؤولية القانونية

لقد شهدت الأيام التي أعقبت الهجوم تبادلاً للتهم حول الجهة التي قد تتحمل مسؤولية ما حدث. واستناداً إلى المبادئ والمعايير القانونية يمكن تقسيم المسؤولية كما يلي:

المسؤولية الفردية والتي تشمل القادة العسكريين، الفاعلين المباشرين، ومن أصدر أوامر، أو من غضّ الطرف عن الجريمة. وفي هذه الحالة فإن استخدام مقاتلين أجانب يزيد المسؤولية القانونية للطرف المنسق أو المسهّل.

مسؤولية الدولة حتى إذا لم تكن الدولة طرفاً مباشراً، بناء على أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يحمّلها واجب حماية المدنيين والتحقيق في الانتهاكات وملاحقة الجناة. ولذلك فإن أي تقصير قد يشكّل مسؤولية دولية.

مساءلة الجماعات المسلحة غير الحكومية (مقاتلو العشائر) والتي تخضع في النزاعات غير الدولية مباشرة للقانون الدولي الإنساني ولا تتمتع بأي حصانة، كما أظهرت السوابق في رواندا وسيراليون ويوغوسلافيا.

آليات المساءلة المتاحة

تتعدد مستويات المساءلة بحسب الإمكانية وخطورة الانتهاكات بشكل تصاعدي.  ومن حيث المبدأ أول طرف يُلقى على عاتقه مسؤولية المسائلة هو الدولة التي حدثت فيها الانتهاكات. ولكن غياب القضاء المستقل، وعدم فصل السلطات في سوريا، يحد من إمكانية المحاسبة المحلية خاصة وأن لجان التحقيق التي تم تشكيلها قد أحدثت بقرار من الحكومة المتورطة بشكل أساسي فيما حدث. الأمر الذي يفقد تلك اللجان أهم عوامل نجاح التحقيق والمسائلة وهي الاستقلال والحيادية.

وأمام هذا العجز يغدو الخيار الأمثل الاحتكام إلى القانون الدولي والاعتماد على الآليات الدولية للمساءلة. وهذا أمر لا يخلو من التعقيد بالنظر إلى عدة أسباب ومنها تجميد مجلس الأمن لأي إحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية، ولذلك تبقى الخيارات المتاحة محصورة باللجوء إلى آليات بديلة مثل الولاية القضائية العالمية في دول أوروبية، والآلية الدولية المحايدة والمستقلة، ولجان تقصي الحقائق لجمع الأدلة وتحويلها إلى ملفات صالحة للمحاكم.

وبالتوازي مع هذا المسار لا بد من التأكيد على دور التوثيق المجتمعي والحقوقي في قيد أسماء الضحايا وظروف الهجمات وهوية المقاتلين، والأدلة البصرية والشهادات، استعداداً لأي مسار نحو عدالة انتقالية مستقبلاً.

ختاماً، ومن وجهة نظر قانونية، من غير المناسب حصر ما جرى في السويداء بوصفه اشتباكاً محلياً، وعزله عن كونه نموذجاً مصغّراً لواقع أوسع في سوريا، حيث يتقاطع العجز الحكومي مع الانتهاكات المنظمة. ولذلك من الضروري الاحتكام إلى مبادئ القانون الدولي ليس فقط لتوثيق الوقائع وضمان حقوق الضحايا لتهيئة الأرضية لأي مساءلة مستقبلية، بل أيضاً لمواجهة الازدواجية التي يتعاطى بها المجتمع الدولي مع قضية السويداء والتي يمكن أن تؤسس لتوجه سلبي طويل الأمد مستقبلاً، يُفقِد القانون الدولي فعاليته في حماية حقوق الأقليات ومحاربة التطرف والاستبداد، والتي لطالما شكلت ضمانة لحقوق الإنسان وكرامته.

Swaida Intellectual Digital Magazine 1, 2026, ISSN: 3099-3172 (online)

Reference Number: SIDM-2025-0028
Show CommentsClose Comments

Leave a comment